منتديات دنقلا الاصالة والتاريخ  

العودة   منتديات دنقلا الاصالة والتاريخ > إعلامي المنتدى > مكتبة الاستاذ محمد فضل طبق

مكتبة الاستاذ محمد فضل طبق مكتبة تحوى كتابات الاستاذ محمد فضل محمد صالح طبق

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 15-01-2012, 05:18 PM   #31
 
تاريخ التسجيل: Mar 2010
المشاركات: 272
محمد فضل محمد صالح ـ طبق is on a distinguished road
افتراضي

الحلقة الرابعة عشر
فيما سادت الحركة الدؤوبة ارجاء الحي بأسره و تحركت صواني طعام العشاء و سطول الإدامات ( الملاحات ) ـ جرادل بغطاء تتجه شرقا و غربا داخل غرف البيت و خارجه و الحوش الكبير و الحوشية و الساحات الخارجية , و اطفال فى عمر الزهور يزرعون المكان إلفة و خفة و حركة يحملون فى ايديهم اباريق الغسيل و بعض غبار هذا الحراك يتعالى مع أضواء الرتاين لتعانق عنان السماء و قد إرتسمت فى جو العلا كأسطوانات ضخمة تتسلق الهواء و ترتفع الى حيث لا علم و لا مصير يدرك .
هنالك فى ركن قصي اخذت ست البنات اللبّانة مقعدها تتأكد من ضبط الدلاليك المختلفة الأنواع و الأحجام تشد جلدها بإستخدام حرارة نار اوقدتها خصيصا لهذا الغرض و هي تنقر عليها ين الفينة و الأخرى للتأكد من درجة صلاحيتها نقرات تهمس للقلوب المشتاقة روعة اللحظات الموعودة و المنتظرة فيما بدت بالداخل وضع اللمسات الأخيرة لإستحقاقات حنة العريس و التى تبدأ مراسمها على أرض الواقع بعد منتصف الليل و أثناء إندماج الناس فى اتون الفرح و الرقص و الطرب و هي عادة درجوا عليها منذ زمان بعيد .
بدأت الأفواج من الرجال و النساء و الشباب تتحرك و تقترب من موقع الحدث فى ساحة الحوش الفسيحة و طويت الفرش و البروش التى استخدمت لتناول العشاء , وفى المطبخ اصوات احتكاك و اصطدام الأواني فى الغسيل كانت تنبيء بعجلة القائمات على الأمر كي ينهين هذا العمل و اللحاق بساحة الرقص منذ البداية .
صحن قراصة كبير من نوع ( تالس ) ينزلق من عنقريب العدة فيرتطم بأرضية المطبخ ( السووي ) محدثا صوتا كالإنفجار و احدى النساء من غاسلات الأوانى تشوت بقدمها كباية شاى كانت خارج طشت الغسيل لم تنتبه لها و هي تتعجل الخروج من دائرة الغسيل و الرهق و العرق و النصب الى دنيا الطرب هناك لتصطدم برجل العنقريب فتتهشم فى الحال , إنه الهرج و المرج اللذيذ و غير المقصود .
هناك جوهر سعيد ..
نعم ...
إنه يحادث بعض جماعة تجالسه أثناء إحكام ضبط أوتار طمبوره القديم و هو يشرح قصة صنعته و يؤكد بأن عمرهذا الطمبور أكبر من عمر ولده البكر عبدالحميد ( بوبي ) أي عمر ناهز الخمسين عاما حسب إعتقاده ..
يا لنغمة طمبور كهذا , فضلا على أن آلة الطمبور فى الأساس من أكثر آلات الطرب على الإطلاق حنينا تلامس نغماته شغاف القلوب , و توقظ الذكريات و تبعث الأشواق كيفما يريد صاحبها , وهي من أقدم آلات الطرب فى تاريخ البشرية إلا انها لا تزال تحتل مكانة كبيرة فى قلوب العشاق حتى من شباب اجيال اليوم ..
فى هذه الليلة و الليالي التاليات ستنال أقدام الرجال من أرض الحوش بضراوة , و سينال التصفيق من أيدى الرجال لدرجة الإدماء أحيانا , كما ستنال الدلاليك و نغمات الطمبور من قلوب العشاق كل مأخذ ..
بدأ ( الدرّيج ) رحلاته المكوكية بين شباب الصفقة و جوهر صاحب الطمبور و ست البنات راعية الدلاليك و مسئولة الإيقاع يستحثهم لضرورة بدء المحفل كسبا لوقت الإمتاع اللذيذ و هو يثير أثناء تحركاته هذه غبار الأرض بطريقة مشيته المتعرجة و يصيح بأعلى صوته و كلماته المبهمة أجججييمهههه سوههماجيتا هووووووووه , هههههههههاااايا .
مع حركة النسيم غير المنتظمة كانت تتناهي الى الأسماع نغمات طمبور عثمانتود و قوق من عشهم فى الجزيرة فهما لا يزالان هناك , ربما يجريان بعض الترتيبات و البروفات لأغاني محدةة سيقدمانها فى هذه الليلة المشهودة و هما يعلمان حقا صعوبة المنافسة لغريمهم جوهر العجوز ملك العزف و فنان المنطقة العتيق فى أيام مجده الأخيرة .
كانت الشائعات تدور فى الخفاء بأن العم عبد العزيز الضرير و الذى يعاني منذ يومين مرض الموت قد ساءت حالته اكثر منذ الصباح و أن زوجته سكينة إفتقدها الناس فى مثل هذه المناسبة التى قلما تتغيب عن أمثالها و هى المشهورة بإثرتها و المشهود لها بدقة العمل و إجادتها لما يوكل اليها و عدم الشكوي من الكثرة أو الرهق فى اعمال المطبخ او خارجه مهما كان نوعها و طبيعتها .
صغار الشباب بدأوا التصفيق و دك الأرض بأقدامهم الضغيرة نسبيا , و بعيدا عن الساحة الرسمية, إنهم من الفئة غير المسموح لها بدخول حلبة الرقص و مجانبة الكبار, ليس بعد , فعمرهم السني أقل من أن يضعهم فى دائرة الأضواء , لذا تجدهم يعبرون عن أنفسهم و بطريقتهم الخاصة بعيدا عن العيون و الرقباء و على نغمات طمبور عثمانتود و قوق و التى تأتيهم وفقا لحركة الرياح المتقطعة , و رغما عن ذلك يحاولون المتابعة إستنادا للإحساس و حدسهم الداخلي , إنها فرصة تدريب لهم تساعدهم مستقبلا فى إجادة الموروث كما ينبغي .
تحادث بعض الشباب المغرم بعشق مثل هذه الليالي مع بعضهم سرا و عقدوا العزم على محاولة التكتم على أي أمر من شأنه أن يحدث بلبلة فى ليلتهم هذه من قبيل وفاة عبدالعزيز الضرير فجأة على سبيل المثال , لأن أمرا كهذا لو حدث فلن تلغى حفلة الليلة فقط بل ستلغي ليالي الفرح بأسرها , و يا عالم الغيب متى و أين يلتذون بفرح آخر من هذا القبيل ؟؟!
فى عصر هذا اليوم أتت مجموعة من اهل غرب السودان فى طرف النيل من جهة شميلة جووّي نساء و رجال و أطفال يحتفلون بولادة إحدى نسائهم و أقاموا بعض نسكهم هناك مما حدا ببعض شباب المنطقة للمزح معهم بطريقة أثارت حفيظتهم و كادت تنشب معركة لولا مرور شيخ القرية بتلك النواحي و بالصدفة حيث تمكن من حل الأزمة و جهر بصوته فى وجه الشباب فتفرقوا عنهم و فى نفوسهم بعض من حتى .
تقدمت ست البنات و أخذت مقعدها فى مكانها المعلوم فى الصف الثاني من مجلس النساء بمبر خشبي قديم و مخدة صغيرة , الدلوكة الأساسية الكبيرة أمامها و على جنبيها أخريتين فزحفت الجموع نحو الدائرة رويدا رويد فتقلصت مسافة الدائرة كثيرا , و هناك مع باب الحوش الخارجي ترى سياطا فى أيدى بعض الرجال و قد تلفّحت وجوههم بشال أو عمامة يصطفون مع الجدار , و لا يزال جوهر يوتر أوتار الطمبور إمعانا فى ضبطها .
سليمان بن شيخ القرية كان أذكى مما تصوره الشباب عن شخصيته فهم الذين توقعوا عدم حضوره وفقا لموقفه السابق مع زنوبة التى إشتهاها كثيرا و منى نفسه بها و تحدى الشباب بأنه سيأخذها لنفسه و لو دفع كل ورث ابيه قربانا لها و لم يفلح فى ذلك , حضر الرجل و قد إرتدى أفخر ما لدية و تطيب و أصلح هندامه كما لم يك من قبل و جلس فى مجلس الكبار و تفادى مجالسة الشباب هذه الليلة لشيء فى نفسه أخفاه .
كالعادة نقرت ست البنات تستفتح الليلة بإيقاع السيرة لأغنيات البنات الجماعية و تعالى النغم النسائي رخيما فحمحمت حلوق الرجال دونما إرادة فى تلك اللحظات التى يستعد فيها الجميع لتقديم أفضل ما لديه من فنون و قوة الأداء تصفيقا أو حمحمة أو رقصا أو غناءا , كانت الزغاريد تتناوب بين المجموعات النسائية المتداخلة و المتزاحمة بصورة ملحوظة .
و ما أن أقبلت فتحية أخت العريس الكبرى من الداخل و ظهرت للعيان كادت الزغاريد أن تصم الآذان , كل النساء زغردن فى وقت واحد تواصلا طويلا , مئات النساء يحاولن شغل فتحية و إخواتها و خالاتها عن تذكر المرحومة أم محمود , تعالت الزغاريد و رسمت ست البنات حلة أخرى و زادت نقرها حدة و سرعة , تقافز على إثرها الشباب هنا و هناك بعيدا عن الدائرة إنه أكثر إيقاعات أهل السودان نشوة وحماسا و بعثا دافعا للتعبير عن الذات, كل كما يهوي .
و من هناك أتى شباب يزفون أمامهم العريس محمود يدفعونه دفعا و يقتربون به من مواقع الزغاريد و مرابض الإيقاع يبشرون و يهزون ذراعاتهم المفتولة تكون أحيانا و دون قصد عرض قوة للجسد تعجب الصبايا .
إرتفعت وتيرة الزغاريد أكثر فأكثر و ما عاد أحد يسمع شيئا على الإطلاق إلاها , ثم ان بقية الذين ما زالوا فى مواقع عشاءهم يسمرون بدأوا بالتحرك ناحية الدارة يتقدمهم جوهر بطمبوره .
إمتلأت الدائرة بنساء الرقص , الكل تريد المجاملة و تخشى الملامة و فوق كل ذلك لا يردن منح أية ثغرة لفتحية و اخواتها و الخالات ينفذن منها و يحسسن و لو للحظة فقد المرحومة امهّن ـ أم العريس , لذا تبارين فى فنون الرقص و يتكرمن بالشبال للشباب و رجال الصفقة الذين نهبوا الأرض نهبا و تقطّرت بعض دماء من أيديهم الخشنة اليبسة تشققت من فرط الأمعان فى التصفيق , كان طول الشعر ( الجورسيه ) مميزا لذا و من ثق حملها الكثيف كانت إحداهن تحمل كميه الشعر الجورسية تلمها بين يديه و ترمي بها على الأكتاف مع القفزة المائلة ناحية المحظوظ كشبال فريد من نوعه ..
ما عادنا نرى مثيل هذا فى الآونة الأخيرة .
يصعب وصف تلك اللحظات سادتي , يصفها الإنسان لنفسه حضورا نعم , و لكن لا يمكن نقلها تصويرا للغير بتفاصيلها اللذيذة .
الماظ عبد ربه , عبدالرزاق عوض , ود المدني و كثيرون غيرهم تناوبوا على راس ( القريا ) , و سارت الليلة كأحسن ما تمنى الحضور .
فجأة إنطفأت الرتينة المجاورة لباب الحوش و تهشمت إثر ضربة قوية طالتها من عكاز مدردم من الأمام لاحد الرجال ...
إذا هى الشكلة التى لا مناص من دفع ضريبتها , نعم انهم الغرباويون الذين تحرش بهم الشباب عصرا عند شاطيء النيل , أتوا ليخلقوا إشكالا للناس يوم عرسهم حقدا و حسدا و إنتقاما , إنهم قوم لم و لن نقبلهم بيننا الى ما لا نهاية , و حيث أن بعضهم كان قد تعاطي المسكر بشراهة و أتى لا يدري ما يقول و ما يفعل لذا صعب إحتواء الموقف بسرعة و ما كان من شبابنا ألا أن أشعلوها نارا لا تبقى و لا تذر .
كل حطب الوقود توزعها الشباب فى أيديهم كعصي مع ظهور بعض المدى و سكاكين الضراع , شب قتال ضاري و مهلك , و كانت الحسنة الوحيدة فى الأمر لحظتها ان الشباب إستطاعوا سحب ميدان المعركة الى خارج الدار بعيدا عن النساء و الصغار و كبار السن .. أحست ست البنات بالأمر فما كان منها إلا أن قلبت الإيقاع الى سيرة بسرعة أحارت البعض ممن لم ينتبهوا لأمر المضاربة ـ و ذلك لتجتذب اكبر عدد من الشباب الى الدائرة و تجنب الشباب حربا ضروسا لن تنتهي دون خسائر فى الأرواح و لكن هيهات هيهات فقد كان السيل قد بلغ الزبى خارج الدار و طارت الدماء و تحطمت على الظهور عكاكيز و واقود , و طوب و حجارة .
__________________
صمت فقالوا كليل اللسان نطقت فقالوا كثير الكلم
حلمت فقالوا : صنيع الجبان و لو كان مقتدرا لأنتقم
يقولون شدّ إذا قلت : لا ....... و إمّعة إذا وافقتهم
فأيقنت أنّي مهما أردت رضي الناس لابدّ حتما أذم
محمد فضل محمد صالح ـ طبق غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 16-01-2012, 01:45 PM   #32
 
الصورة الرمزية سعيد كويا
 
تاريخ التسجيل: Oct 2008
الدولة: السعودية
المشاركات: 2,730
سعيد كويا is on a distinguished road
افتراضي

الرائع طبق عوداً حميداً
والله اني تخيلت كل كلمه كتبتها هنا
وتلذذت بطعمها الندي على مخيلتي
ووصلت حاله من النشوه لن تخطر على بالك
فوصفك دقيق واسلوبك رائع
ولم يوقظني من ثباتي العميق وانا غائص
بين اغوار الحكايه إلا عكاز طائش في ضهري .

دم بصحه وعافيه وماتطول الغيبه
__________________
سعيد كويا غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-02-2012, 10:31 AM   #33
 
الصورة الرمزية بكري عبد اللطيف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2008
الدولة: الدوحة - قطر
المشاركات: 1,091
بكري عبد اللطيف is on a distinguished road
افتراضي

الرائع طبق لك كل الشكر وانت ترسم لنا صورة جميلة عن ايام قضيناها في ربوع القرية الجميلة ...

واصل السرد نحن في انتظار المزيد ونرجو منك عدم التاخير ....

صدقني قصة جميلة لكن علي ما اعتقد ان عنوان البوست غير جزاب لرواد منتدي القصة واقسم ان من بداء قراءة هذه القصة سوف يواصل حتي النهاية لك كل الود والمحبة
__________________
بكري عبد اللطيف غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-02-2012, 11:53 AM   #34
 
الصورة الرمزية وعد دنقلا
 
تاريخ التسجيل: Oct 2008
الدولة: مابين الارض والسماء
المشاركات: 1,215
وعد دنقلا is on a distinguished road
افتراضي

في حضرتك سيدي
لايسعني سوى أن اصمت....""فالصمت في حرم الجمال جمال"
وعد دنقلا غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-03-2013, 01:11 PM   #35
 
تاريخ التسجيل: Mar 2010
المشاركات: 272
محمد فضل محمد صالح ـ طبق is on a distinguished road
افتراضي

الأعزاء ـ سعيد كويا .. بكرى عبداللطيف .. و وعد نقلا
سرنى مروركم كثيرا .. شكرا لكم ..
__________________
صمت فقالوا كليل اللسان نطقت فقالوا كثير الكلم
حلمت فقالوا : صنيع الجبان و لو كان مقتدرا لأنتقم
يقولون شدّ إذا قلت : لا ....... و إمّعة إذا وافقتهم
فأيقنت أنّي مهما أردت رضي الناس لابدّ حتما أذم
محمد فضل محمد صالح ـ طبق غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-03-2013, 01:21 PM   #36
 
تاريخ التسجيل: Mar 2010
المشاركات: 272
محمد فضل محمد صالح ـ طبق is on a distinguished road
افتراضي

من الحلقة السابقة

كل حطب الوقود توزعها الشباب فى أيديهم كعصي مع ظهور بعض المدى و سكاكين الضراع , كانت الضربا موجعة و مهلكة و الحسنة الوحيدة فى الأمر ان الشباب إستطاعوا سحب ميدان المعركة الى خارج الدار بعيدا عن النساء و الصغار و كبار السن .. أحست ست البنات بالأمر من واقع خبرتاتها الطويلة فى مثل هذه الأمور فما كان منها إلا أن قلبت الإيقاع الى سيرة بسرعة أحارت البعض ممن لم ينتبهوا لأمر المضاربة ـ و ذلك لتجتذب اكبر عدد من الشباب الى الدائرة و تجنب الشباب حربا ضروسا لن تنتهي دون خسائر فى الأرواح و لكن هيهات كان السيل قد بلغ الزبى خارج الدار و طارت الدماء و تحطمت على الظهور عكاكيز و واقود .
[/color][/size]


الحلقة الخامسة عشر

لم يخطر علي بال الحاج محمد احمد الذي بارح ساحة العرس بعد تناول طعام العشاء مباشرة بالأمس و لم يدر بخلده عندما إستيقظ باكرا أنه سيفقتد إبنه الوحيد خالد و الذى امسى احد ضحايا الشكلة فى ليلة الفرح الكبير بل كان اكثر المصابين خطرا الى حد مقلق للغاية , و قد تم نقله متمددا كجثة هامدة الى دنقلا المدينة من ساعته هو وآخرين كثر إصاباتهم غير عادية حسبما كانوا يشاهدون و يرون فى مثل هذه المواقف , و ذلك بواسطة الإخوان و الأصدقاء نظرا لأن المستشفى فى دنقلا هى الأكثر تأهيلا لمجابهة مثل هذه الإصابات الخطيرة.
كاد العجوز أن يفقد عقله .. كيف نام الليل بطوله و قد كان ما كان من أمر جلل و آثار ويلات تلك المضاربة اللعينة بادية للعوام ؟ و كيف يخفى الشباب مأساة إبنه عنه و يذهبون به الى دنقلا دون ان يرافقه و هي مأساة وصلت الى حد الخطورة المميتة ؟
نعم انه كسر بالجمجمة من الناحية الخلفية مائلا الى اليسار قليلا و غيبوبة كاملة .. لا حراك فى أي عضو من اعضائه البتة و حتى تنفسه لا يستبينه الا من كان لديه خبرة بالطب .
تحركت العربات ملأي بخلق كثير ناحية دنقلا عشرات الشباب و الآباء و الأمهات .. لم يك ابن الحاج محمد احمد لوحده طريح المستشفى .. نعم هو كان أكثرهم تضررا و خطورة و أول من أدخل العناية الفائقة و لكنه لم يك الوحيد , فإبن ناظر المدرسة و هو ليس من ابناء البلدة كذلك اصيب اصابة بالغة فكان هو الآخر رهين العناية الفائقة .
أما أكثر الإصابات شهرة و إثارة للغط فهى اصابة ابن صاحب اللورى الوحيد فى المنطقة حسن ابن عبدالله حمنتود لأن الإصابة عبارة عن طعنة سكين فى ظهره من الناحية اليمنى قريبا من موضع الكلية ..
انها مصيبة جديدة يا سادتى لم تألفها البلدة .. المضاربة بالعكاكيز و العصى و أحينا حطب الوقود , و مهما بلغت ضخامتها كانت معهودة و معروفة و متوقعة .. أما إستخدام السلاح فى شكلات الأعراس فهو دخيل على المجتمع مهما كانت الإصابة غير نافذة أو ضارة , إنها من أعمال الشرطة و مسئوليتها و تلك قصة أخري .
منع العريس محمود من مرافقة الشباب رغم اصراره الا انه اجبر على المكوث فى البلدة من قبل كبار السن و هذه من طقوس العادات و التقاليد الموروثة فأضحي يزرع المكان جيئة و ذهابا ينظف بعض آثار الدماء من الأرض و الحائط و حتى من بعض فروع شجرة النيم الضخمة فزخات الدماء المتطايرة من رؤوس بعضهم التصقت بورق الشجر فى فروعها ..
الشيخ عبد الكريم رجل طاعن فى السن مهاب الجناب يقدم لع العوام السمع و الطاعة اشاراته لغة و أوامره لا تناقش , كان فى مقدمة الركب الى دنقلا و هو يوصي من معه بأن يكونوا حريصين غاية الحرص و هم يجيبون على أسئلة التحرى لدى الشرطة بأن الشكلة حدثت بفعل السكر و لا شيء غيره ... لا ثأرات و لا أحقاد بائتة النية و لا سيرة تنطق عن اسباب الشكلة أو موقد نارها أو انها بين الغرباء و أولاد البلد .. لقد أكد عليهم هذا الأمر كثيرا كثيرا ..
الا أن أوامر الشيخ لم يقطع دابر الكلام الذى تناقلته الألسن بأنها ثارات مختلفة و قديمة و مصالح شباب متنوعة هى التى اذكت نار الفتنة فى تلك الليلة التى أضحت واحدة من أشهر ليالي الحزن فى ايام الفرح و استمرت قصتها تحكي لأجيال و أجيال .
الغرباء يا سادتى ...
غرباء القرية من أنحاء السودان المختلفة كانت لهم يد فيما حدث و صبوا الزيت على النار يثأرون لأنفسهم من أوهام ابتدعوها فى أذهانهم الخاوية و قلوبهم المريضة ثم صدقوها , و أفكار ترسخت فى دواخلهم توارثا من آبائهم ظلما و عدوانا على اولاد البحر فأتت تلك الللية بتلك البشاعة و انتقاما رهيبا للغاية .
تألم العريس محمود كثيرا فهو الشاب الطيب النبيل لم يتوقع ان يحدث فى احتفال عرسه ما حدث .. كبر عليه ذلك و هو من هو , خادم الناس فى افراحهم و أتراحهم بكل أريحية و نكران ذات ليأتى فى أسعد ليالي حياته ليجد الدماء و قد تطايرت فى عقر داره دار والده المرحوم ليسجل التاريخ فى سجل سية السرة أحداثا قبيحة لا تليق بهم و لا بسيرتهم العطرة...
نعم يا سادتى لقد اغتم كثيرا لدرجة انه لم يقترب من عروسته المتوهجة فى تلك الليلة نهائيا ..
لك الله يا بلد ..
تؤوي اليك الأغرلب فيستكينوا فيك ثم يرسلون فى البوادى أن اقبلوا إلينا فى قرية كذا فيأتونك من كل فج عميق فتفتّح لهم الأبواب و يزودون بأشهى أنواع الطعام و أرقى نوعيات التعامل الإنسانى البحت , تؤثرهم حتى على أبنائك ثم لا تجد منهم ردا جميلا إلا غدرا و خيانة .. إنها مأساة و أية مأساة ؟
صبرك يا بلد و ستنجلى الغمة قريبا بإذن الله .
سليمان يا ابن شيخ القرية ..
أنت أيها القذر اللعين كانت لك اليد الطولى فيما حدث .. انت جمعت شتات المجرمين رغم اختلاف ميولهم و اسباب نكاياتهم ..
ذق نتيجة أفعالك البغيضة و سوء نيتك و أنت الآن تنام على سرير المستشفى بحالة اقل ما يوصف بها انها خطيرة نظير تلك الضربة القوية فى أم رأسك و التى أتتك أثناء العراك الذى أشعلت أنت نيرانه بغبائك المعهود و خيانتك لجيرانك و أهل بيتك , فقط لأن زنوبة رفضتك عريسا لها .
...........................................

زنوبة
يالها من عروس تبرق كما الشمس ساعة الشروق .. حنانيك ايتها الجميلة الناعمة الصامتة .. يا لحظك التعيس و عريسك و كل أهل البلد عنك فى شغل شاغل ..
محمود ...
لك الله ايها العريس الحزين
أنت أكبر من أن تهزك مثل هذه العاصفة رغم ضراوتها . لقد قويت عزيمتك جراء المواقف العصيبة السابقة التى مررت بها منذ أن خرجت من بيتك الى بلاد الغربة رغم اعتراض المرحومة أمك .
رحمك الله يا هذا و بعد الضيق من الله فرج قريب ..
__________________
صمت فقالوا كليل اللسان نطقت فقالوا كثير الكلم
حلمت فقالوا : صنيع الجبان و لو كان مقتدرا لأنتقم
يقولون شدّ إذا قلت : لا ....... و إمّعة إذا وافقتهم
فأيقنت أنّي مهما أردت رضي الناس لابدّ حتما أذم
محمد فضل محمد صالح ـ طبق غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:57 PM.


جميع المواضيع والمشاركات المطروحه تعبر عن وجهه نظر الكاتب ولا علاقه لمنتديات دنقلا بها.
تطوير وتصميم استضافة تعاون