منتديات دنقلا الاصالة والتاريخ  

العودة   منتديات دنقلا الاصالة والتاريخ > إعلامي المنتدى > مكتبة الاستاذ محمد فضل طبق

مكتبة الاستاذ محمد فضل طبق مكتبة تحوى كتابات الاستاذ محمد فضل محمد صالح طبق

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 15-01-2011, 08:26 PM   #21
 
الصورة الرمزية سعيد كويا
 
تاريخ التسجيل: Oct 2008
الدولة: السعودية
المشاركات: 2,730
سعيد كويا is on a distinguished road
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمد فضل محمد صالح ـ طبق مشاهدة المشاركة
نأسف للقراء على الخلل الفني غير المقصود , حيث تم إنزال الحلقة السابعة قبل الحلقتين الخامسة و السادسة . نكرر الأسف , و إليكم فيما يلى الحلقتين السابقتين .. و دمتم ..


مصائب قوم عند قوم فوائد ...
كتر خير الخلل الفني الجاب لينا تلاته حلقات دفعه واحده
وصراحه ياطبق الحلقه السابعه عملت لي خلل فني واصبحت
خارج الشبكه مؤقتاً .

كن بصحه وعافيه
__________________
سعيد كويا غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 23-01-2011, 08:33 AM   #22
 
تاريخ التسجيل: Mar 2010
المشاركات: 272
محمد فضل محمد صالح ـ طبق is on a distinguished road
افتراضي

[color="darkred"]الحلقة الثامنة

هجرة الشباب من الريف الشمالى بالذات إلى أغوار المدن و من ثم الى خارج حدود الوطن قديمة , و قد زادت وتيرة هذه الهجرات فى بداية القرن الماضى , و تركزت هذه الهجرات بصورة واضحة الى دول مصر و فلسطين و أقلها كانت الى منطقة الحجاز , أما داخليا فهناك مدن الخرطوم , والقضارف و بورتسودان , و مناطق القطينة و سنار و كادوقي و كوستى حيث تجارة المحاصيل , و أعتقد أن هذه الهجرات لم تك دوافعها ضيق العيش و الفقر بقدرما كانت هروبا من ضنكها و مرارتها أى صعوبة العمل بالزراعة التقليدية ( المهنة الوحيدة ) و بأدواتها البدائية فى الريف الشمالي , و إعتماد تلك المهنة على المجهود البدني الكبير والقوة الجسمانية البحتة و بصفة شبه مستمرة طيلة أيام السنة حتى يتمكن الانسان من إعالة نفسه و أهله , فصعوبة المعيشة و رتابة الحياة بتلك الصورة دفعت ببعض الشباب حينها لمغادرة الريف دون تحديد وجهة بعينها , فقط يسافرون الى عاصمة البلاد ثم تختلف دروبهم و إتجاهاتهم فى زمان إتسم بصعوبة سبل الاتصالات و المواصلات بإختلاف أنواعها .
ساتى على سوركتى ـ هو أحد أولئك الشباب الذين تسللوا خلسة , و سافر بعيدا هربا من جحيم الرهق و الرتابة و أنقطعت أخباره نهائيا عن أهله قرابة ربع قرن مضى أو يزيد , لم يسمع عنه أحد شيئا منذ غادر الخرطوم الى جهة مجهولة ناحية الجنوب الغربى , و هل هو حي أم ميت !!
فى إحدى الأماسى المترعة بصمت الريف, و الشمس تأذن للمغيب تراءت فى الطريق العام عربة جديدة من نوع ـ كريسيدا ـ بلونها الذهبى اللامع تشق طريقها بين المزارع فى إتجاه أطراف القرية المجاورة و هى تعكس أشعة الشمس الحمراء في وجوه القوم الذين ينتشرون كعادتهم فى مزارعهم أو أمام بيوتهم أو حتى داخل حظائر بهمهم ـ كمرآة ضخمة تبهر عيونهم فيعجبون لأمرها و يتساءلون عن سرها , و قد شوهدت و هي تقف بين اللحظة و الأخرى لينزل سائقها مسلّما على بعض القريبين من طريق مروره , ثم حوارات تدلل إشارات أيديهم و حركات أبدانهم بأنهم يصفون له الطريق لوجهة ما , أو بيت معين فيزداد إستغرابهم , و تحتار أفكارهم فيمن يكون صاحب العربة الأنيقة ؟! من أين قدم و أى دار يريد ذاك الفتي الغريب ؟؟!!
و هكذا إنتقلت الكريسيدا من طريق الى ساحة الى زقاق حتى توقفت هناك فى أطراف القرية المجاورة أمام منزل المرحوم عبدالقادر على سوركتى !
نزل من العربة فتى فى مقتبل العمر وسيم الطلعة ناير الجبين متناسق الهندام يمتلىء شبابا و نضرة ـ إنه سامى ـ الابن البكر للمرحوم ساتى علي , ترافقه فتاة تتدفق نداوة و طلاوة و حلاوة , تلبس الجمال حلة , و تكتحل ببسمة تخلب الألباب , خمرية اللون , ممشوقة القوام , فارعة الطول , , و قد تدلى شعرها الكثيف الناعم من فوق كتفيها على صدرها النافر لتلقى كتلتي الشعر كمياه السيل الجارف أسفل نهديها بائنا من خلال ثوبها الى منتصف بطنها , إنها أخته زاهية ـ و هما بعض أبناء ساتي على الذى هاجر الى اعوالم مجهولة قبل عقود ثلاث ليستقر به المقام فى إحدى القرى المتاخمة لمدينة سنار , فأمضى بها بعض سنوات قبل أن يتزوج بإحدى حسناوات تلك البلاد و أنجب البنين و البنات , و رغم إنقطاعه المطلق عن أهله و مسقط رأسه إلا أنه إستطاع أن يغرس فى دواخل أبنائه كل موروثات و عادات و تقاليد أجداده , كما صور و وصف لهم بدقة متناهية و رسم لهم فى مخيلتهم صورة متكاملة عن منطقته من كل النواحى رغم أميته المفرطة , كما إستطاع أن يزرع فى نفوسهم لهفة البحث عن ديار أبيهم متى ما سنحت الفرصة , فهاهم الآن يلبون وصية أبيهم و يرضون غرور رغباتهم فأوفدوا أكبرهم سنا من الذكور فى شخص سامى و أصغرهم من البنات زاهية ليتحققوا من أمر قصص و حكاوى أبيهم عن الريف الجميل فى أقاصي شمال الوادى .
نعم يا سادتى , سامى و زاهية و زنوبة أبناء عمومة , عبدالقادر ـ والد زنوبة ـ توفى فى البلد و ساتى والد سامى و زاهية و إخوتهما ـ توفى بعيدا عن أهله و دفن فى مقابر مدينة سنار , لم يلتقيا بعد زواجهما أبدا و توفي كل فى جهة مختلفة .
إنتشر خبر أولئك الضيوف سريعا فتجمع الخلق فى منزل المرحوم عبدالقادر يسلمون و يهنئون , و خاصة العنصر النسائي , إنها فرصة مواتية بالطبع لتداول ( الشمارات ) فضلا عن رؤية و سماع الجديد الآتى من بلاد البندر , دهش سامى و أخته من كرم الضيافة و حفاوة الاستقبال و بساطة الناس هناك و صفاء قلوبهم و نقاء سريرتهم , إذا كان اباهم على حق فيما ذكر, هذه الصور متطابقة تماما كما حكى لهم أباهم حتى جعلهم يعايشونها رغم المسافات و إختلاف البيئات , كما أندهشوا أيضا من شخصية إبنة عمهم زنوبة القوية إضافة الى جمالها الطاغى الذى لم يتوقعوه فى مثل تلك الفيافى البعيدة عن التحضر و المدنية , سامي و إحساسه الشبابي تجاه زنوبة ! آآآهـ إنها قصة أخرى .
محمود كان أكثر المعنيين و المهتمين بأمر الضيافة من واقع مسئوليته تجاه الأسرة فهو الذكر الوحيد بين إخواته و بنات خالاته و إبنة عمه زنوبة . هرع الى المكان يحمل كبشا أقرنا يذبحه فى الحال إكراما لضيوف خالته و إبنتها , يقوم بواجباته كما ينبغى دون أن يشير عليه أحد بذلك , إنه طيب القلب نقي السريرة , يثق فى الجميع كثقته بنفسه , لم يخطر بباله أبدا بأن هذه الظروف الجديدة ربما تسبب له و لمعشوقته بعض المتاعب, أو لنقل متاعب جمة لم يتوقعها , و لم يحسب لها حسابا .
أما سليمان إبن شيخ القرية الذى لم ينس للحظة تلك الاهانة البالغة و الصفعة القوية التى تلقاها من زنوبة ليلتها فى ردهة المستشفى عندما طلبته خارج العنبر و على مشهد من الحاضرين دون و جل أو حياء ـ على غيرعادة البنات فى تلك النواحي , و حاورته فى أمر خطبته , ثم قالت له بالحرف الواحد ضمن ما قالت :
... ما بننفع لبعض يا سليمان, و كلام زي دا ما أي بت بتقدر تقولو, شيلنى من راسك و ما تودر زمنك !!!
سليمان لا يدخر فى دواخله أية معان للدبلوماسية أو منهجا للحوار فهو أغبي من أن يكون كذلك , و بكل صنوف الجهل الذى يملأ عقله الصغير إتخذ قرارا بليدا بالطبع , مضادا لأمنياته القديمة فى عشق زنوبة و طلبه إياها للزواج و ذلك بتفكيره فى الانتقام من زنوبة و أهلها ببشاعة يكتبه التاريخ فى سجلاته لأجيال و أجيال تالية .
من جهة أخرى كانت فرصة مواتية لإلتقاء العاشقين محمود و زنوبة لأيام و أيام إبان تواجد محمود هناك و القيام بواجبات الضيافة عبر بوابة العيون التى إرتقت من خلالها مدارج الهوى و الغرام لأعلى درجات النشوة و السعادة فيبتسمان لبعضهما من طرف خفي ليدفع بآمالهما الى حيث دفء الطمأنينة , وتأكيد الرسوخ .
سامي يا سادتى و بحكم المدنية التى عاشها منذ نشأته قريبا من مدينة سنار و تعارفه و إندماجه بمجتمع يدّعي التحضر و الرقى و بعض حرية عاطفية تنعدم وجودها فى الأرياف تعافها و لا تقربها من واقع موروثاتهم و أعرافهم ـ فقد تعرف على عدد من الحسناوات هناك , يواعد بعضهن ليمضى معهن أوقاتا ( ظريفة ) و أخريات يوعدن بالخطوبة أوالزواج ـ و بالأخص تلك الفئة التى زاملته فى كليات الدراسة , و رغم الأسماء الكثيرة المتزاحمه فى فكره لم يجد صعوبة فى إدراج إسم زنوبة فى سجل دواخله , فهذه تختلف تماما عن كل من عرفهن من قبل أدبا و خصالا و جمالا و بساطة رغم الصرامة المرسومة دائما على محياها لغزا محيرا, أما أن يصرح أو يفصح بمثل هذا الأمر فى هذا التوقيت فليس بعد .
إنبهار الشباب بأية أنثي تأتي من خارج المنطقة شيء ملحوظ و مألوف أيا كان شكلها و درجة جمالها ! و بلأخص بنات البنادر اللائي يمتزن بجسد لادن و بشرة ملساء فى نعومة الحرير فما بال من كانت فى روعة و جمال و رقة و نداوة زاهية بالإضافة الى مؤهلاتها الجامعية ؟! كما و أن بهن جرأة تخيف شباب الأرياف الذين لم تتح لهم التقاليد و الأعراف فرصة لتجربة ذلك و التمتع به فضلا على أنهن لا يقبلن العيش فى الأرياف , فوقفوا بعيدا عن الأمر ينهلون نشوة النظر , ساخطين من حظوظهم التعيسة بينما تتبختر زاهية و إحساسها يزيد يوما بعد يوم بأن الجميع هنا قد شغفوا بجمالها الأخاذ .
( شمارات ) النساء حسب إعتقادى متشابهة و متقاربة فى كل الدنيا , يرسمن أمورا فى خواطرهن لا يلبثن أن يصدقنها ثم يطلقنها شائعات تسرى سريعا لتنتشر و كأنها حقيقة ماثلة , تصدف أحيانا فتصيب , و تخيب فى أكثر الأحايين .
لقد قلنها إذا فأنتشرت بينهن هكذا .. قدم سامى من تلك البلاد البعيدة ليتزوج بزنوبة ! نعم إنها إبنة عمه , و هذه الأخرى عقيدة راسخة فى أذهان أولئك البشر , البنت لإبن عمها لا محالة و مهما كانت الظروف , رضيت أم أبت .
لم يك محمود بعيدا بفكره عن تلك الأحداث المنظورة منها و الخفية , فقط يلتزم الصمت المطبق , بينما يغتّم فؤاده يوما إثر الآخر, أما زنوبة فقد كانت أكثرهم ثباتا و رسوخا فلا شيء يعنيها فيما يجرى سوى عشقها لمحمود رغم إحساسها بكل ما يدور حولها .
أكثر المحاور إثارة الآن هو المحور الذى يدور فيه إبن شيخ القرية سليمان , و قناعاته البغيضة فى الانتقام , و أخطر ما فى الأمر أن تخطيطه بنفسه فى حد ذاته أكبر خطر لأنه حانق و غبي و بليد و جاهل , حيث فكر كيف يجعل من الضيف سامي طعما يوعز له بأحقيته فى زنوبة و أولويته بإبنة عمه حسب الأصول و عرف البلد و ليس لأحد أن ينازعه فى ذلك مهما عظمت الأمور و تداخلت , حتى إذا ما أحس بأن الأمور قد وصلت حد الاحتراب بين زنوبة و إبن عمها , أوعز لمحمود أيضا و ألقى به فى أتون المعركة ليصارع محمود حربين مختلفتين مع زنوبة من جهة و مع سامى من جهة أخرى , و يشعلها سليمان نارا لا تبقي و لا تذر , و ذلك من قبيل : عليّ و على أعدائى . و الغريب فى الأمر أن غباءه المفرط كثيرا ما ينجيه من مغبة أفعاله اللعينة المدمرة , حيث باح بسر مخططه هذا فى مجلس سكر بعد أن لعبت الخمرة برأسه فوصلت المعلومة لمحمود و زنوبة ليعملا كل على حدة بما يتناسب مع الموقف دون أن يفصحا لبعضهما تفاديا لحرب أسرى تبطن شرا مستطيرا إذا تمكن سيد سليمان من إشعال فتيلها بطريقة أو بأخرى .. [/color]
__________________
صمت فقالوا كليل اللسان نطقت فقالوا كثير الكلم
حلمت فقالوا : صنيع الجبان و لو كان مقتدرا لأنتقم
يقولون شدّ إذا قلت : لا ....... و إمّعة إذا وافقتهم
فأيقنت أنّي مهما أردت رضي الناس لابدّ حتما أذم
محمد فضل محمد صالح ـ طبق غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 13-02-2011, 03:50 PM   #23
 
الصورة الرمزية سعيد كويا
 
تاريخ التسجيل: Oct 2008
الدولة: السعودية
المشاركات: 2,730
سعيد كويا is on a distinguished road
افتراضي

عشرين يوم ولاحلقه جديده !!!!
اصلو مامكن ياخ

الرائع طبق اتمنى الا يطول انتظارنا

ودي وتقديري
__________________
سعيد كويا غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 14-02-2011, 08:32 AM   #24
 
تاريخ التسجيل: Mar 2010
المشاركات: 272
محمد فضل محمد صالح ـ طبق is on a distinguished road
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة سعيد كويا مشاهدة المشاركة
عشرين يوم ولاحلقه جديده !!!!
اصلو مامكن ياخ

الرائع طبق اتمنى الا يطول انتظارنا

ودي وتقديري

العزيز ود كويا ـ صباحك خير .. بما إنك الوحيد المتابع لهذه المحاولة البائسة أيه رأيك لمن تجينا يوم الخميس أدّيك نسخة مكتوبة أرتاح أنا و ترتاح إنت ؟؟
شكرا لمرورك النبيل ود كويا .. و إليك الحلقة التالية ..
__________________
صمت فقالوا كليل اللسان نطقت فقالوا كثير الكلم
حلمت فقالوا : صنيع الجبان و لو كان مقتدرا لأنتقم
يقولون شدّ إذا قلت : لا ....... و إمّعة إذا وافقتهم
فأيقنت أنّي مهما أردت رضي الناس لابدّ حتما أذم
محمد فضل محمد صالح ـ طبق غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 14-02-2011, 08:40 AM   #25
 
تاريخ التسجيل: Mar 2010
المشاركات: 272
محمد فضل محمد صالح ـ طبق is on a distinguished road
افتراضي

الحلقة التاسعة

أثناء هذه الآجواء المفعمة بالتيارات العاطفية المحتقنة و المختلفة على حد سواء بين شباب الأسرة ساءت حالة أم محمود فجأة لتعود أجواء الحزن و الأسى تلف أرجاء المكان من جديد , فيظل محمود يجهد نفسه فى عدة محاور متباينة .
رفضت أم محمود الطعام ليومين متتاليين, و برزت فى نتائج تقاريرها الطبية بعض الملاحظات التى تنم عن إمكانية حدوث جلطة أخرى و ربما قريبا جدا , مع ظهور طفح جلدى غريب فى أماكن متفرقة من جسدها لم تتكشف أسبابها و دوافع ظهورها بعد ليطرح ذلك الأمر تساؤلات عدة بين مسئولى الصحة و الكادر الطبى بالمستشفى عن إمكانية أن تكون هذه مقدمة لظهور أورام لا تستبعد أن تكون سرطانية غير حميدة .
لم يك أمام محمود سوى إتخاذ قرار السفر بأمه الى الخرطوم على الفور ـ رغم رجاءات الأهل بتجنب هذه المحاولة , فهم يكرهون و يتحاشون كثيرا أن يمنح أحدهم فرصة الموت بين أهله و بني جلدته و أبنائه ثم يختار لنفسه الدفن بعيدا عن قبور الأجداد , لأن فى إعتقادهم أن من فى مثل حالة أم محمود ليس منطقيا أن يترك داره طلبا للعلاج بعيدا فإنه حتما لن يعود ثانية , و هذه قناعة ماثلة فى دواخلهم , مستوطنة فى عقولهم منذ أمد بعيد , و ليس من السهل إقناعهم بغير ذلك .
إختار محمود علاج أمه خيارا أولا مهما كلفه ذلك , و رمى بكل أمر فيما سوى ذلك وراء ظهره فعزم على السفر .
إنه نفس اللورى يا سادتي , و نفس السائق , و نفس المساعدية , البورى نعم , فقط
تغيرت وتيرته بإرادة السائق , إنه يراعي الحالة العامة , مهما يكن فإن للسائق إحساس أيضا رغم طبيعة عمله الذى يتطلب الرعونة و الخشونة و العصبية أحيانا .
الأطفال أيضا يدركون هذا , هم يأملون أن ينتشوا بسماع نغمة إحدى الأغنيات المفضلة و المحببة لديهم فهى تمتعهم متعة لا حدود لها , و لكنهم يقدرون الوضع أيضا , لذا لم يسألوا السائق و لم يلحوا عليه كعادتهم .
يطلق السائق البوري طويلا نداءا كنداء البوق الخشبي إيذانا ببدء الرحلة . فتحية و أخواتها و خالاتها و زنوبة بكين بكاء من لن يرى هذه المرأة ثانية و بإحساس القانع بأنها لن تعود إليهم من رحلتها هذه , و أنهم لن يتمكنوا حتى من رؤية جثتها , و بحركة بطيئة من عينها اليمنى تومىء لهم أم محمود و لسان حالها يقول : أنتم على حق , لن نلتقي ثانية أيها الأحباء فلدي مثلكم إحساس غامر بذلك , عليه فليس لنا إلا أن ندعوه تعالى أن يجمعنا فى مستقر رحمته يوم الدين ..
سلمي ! نعم سلمى أصغر الإخوات , هذا هو صوتها الذى يشق عنان السماء و هى تحتضن أختها الكبرى فتحية , تتعلق برقبتها كمن تستجير بها و تصرخ فى وجهها و لسان حالها يقول : , أمنا الأولى ماضية فى سبيلها و لن تعود , فأنت أمنا من بعدها , أتقبلين أن تكونى أمنا يا فتحية ؟؟!
يلا يا شباب ـ يدينكم معانا , أسندوا الحجة دى , تجمع العشرات فى سرعة البرق و أحاطوا بعنقريبها و ما لبثوا أن رفعوه عاليا بمن فوقها الى سطح اللورى , و أعيد العنقريب خاليا فربما هو الآخر لن يتشرف بأن يكون مرقدا لصاحبتها من بعد .
بين الدموع و العويل و الدعوات و بعض تكبيرات كبار السن من ذوى الروحانيات المشبعة بإيمان لا تشوبه شائبة ـ تحرك اللورى بمحمود و أمه الى مصير مجهول .

تفاقمت حالة سليمان إبن شيخ القرية بسبب شراهته و كثرة معاقرته للخمور حتى وصل درجة الإدمان المقيت , فأصبح لا يرى ليلا و لا نهارا إلا و رائحة الخمر الكريهة تنبعث من أغواره , و لا يدرى ما يقول لسانه , فقط فكرة الانتقام من زنوبة لا تبارح فكره مهما بلغ من درجات السكر و الدمار, و لكن حسنة هذه المعاقرة البشعة ـ إن كانت لها حسنات ـ هى التى أقعدته عن تنفيذ ما ينويه من شر عقيم , فتعطل حركته و تشل تفكيره و تعيده الى مربعه الأول , و بذا يتسبب فى إبعاد نفسه بنفسه عن دائرة المنافسة , و حتى مجرد التفكير ليتقدم الى زنوبة مرة أخرى و بطريقة لائقة , رغم إحساسه بأن زنوبة التى يعرفها لم و لن تعطيه الفرصة التى يتمناها مهما كانت الظروف و الأحوال . أما سامي فقد أدرك تماما بأن زنوبة هذه أنثي مختلفة بالكلية عن جميع من عرفهن أو مررن به من قبل فما فتىء أن إستنجد بأخته زاهية الجميلة و التى حاولت المستحيل كي تقنع زنوبة بأن تجعل أخيها سامي فى دائرة إهتماماتها إلا أنها لم تفلح فى ذلك فأسرّت لأخيها أن ينسى هذا الأمر للأبد و وجوب التفكير فى العودة الى ديارهم قبل أن يتسببا في إشكالية للأسرة هم جميعهم فى غنى عنها .

قبل سفرهما بيومين فقط إستطاع سليمان بخبثه أن يغرس شوكة فى ظهر الظروف بتنبيهه لسامى على ضرورة محاورة أعمامه و بقية الأسرة فى مسألة الورثة و حقوقهم المختصبة طيلة سنوات غربة والدهم و حتى اللحظة .

لم يك سامى و لا أهله فى حاجة لقيمة مثل هذه الورثة الضئيلة التى لا تغنى من شيء سوى أنها الفتنة التى سعى لها سليمان , و دون إكتراث رمى سامي بهذه الكرة فى ملعب الأسرة و بطريقة غير حصيفة مما أوغر صدور البعض حنقا و وصف بعضهم سامي بأنه غبي و أن أهله هناك لم يحسنوا تربيته و تأديبه كما ينبغي . كما أراد الأخير أيضا أن يرسل عبر هذه القضية رسالة ضمنية لزنوبة بأنه ليس فتى سلبيا كما تعتقد , و بإمكانه أن يسبب المتاعب للأسرة و لزمان لا تحده حدود , إلا أن زاهية و رغم صغر سنها كانت أكثر إدراكا لمآلات نتائج و سلبيات مثل هذه المغامرة غير محسوبة العواقب فمنعته من المضي قدما فى هذه القضية.
و بالطبع يا سادتى قضية الورثة و حقوق الغائبين فى مهاجرهم و بالأخص الذين أمعنوا فى الغياب الطويل تكتنفها بعض الغموض عند أهلنا فى الريف , فقط فى عرفهم أن من يبقى فوق الأرض و لم يغادرها ينعم بخيرات الأرض و نعيمها نظير شقائه و رهق رعايته طيلة غياب الآخرين , و لكن بمجرد عودتهم و الإستقرار هناك يدخلون فى دائرة المستفيدين و معظمهم يجهلون أو يتجاهلون مسألة هذه الحقوق شرعا , و ما سليمان إلا شخص مريض النفس خبثا و بشاعة , عرف كيف يستغل هذه الثغرة بحكم خبرته التى إستقاها من معين تواجده فى خضم الأمور التى تحدث فى البلد من هذا القبيل , و قربه من الأحداث بموجب مرافقته لوالده الشيخ أحد المراجع المهمة كشخصية إعتبارية لها وضعيتها الخاصة فى الأفراح و الأتراح و عموم شؤون البلد .

ودعت القرية سامي و أخته بحرارة مماثلة لما كان من أمر إستقبالهم بعد أن هدأت النفوس الثائرة و التى لعبت فيها زاهية دورا محوريا , بدا منظر الوداع حزينا مؤثرا رغم ما حدث من سامي , و أرتفعت دعوات الكبار و طلباتهم بتكرار الزيارة مرات و مرات و بصحبة بقية أفراد الأسرة فى المرات القادمة , و حملوهما أمانة تبليغ عاطر التحايا لذويهم هناك , برقت العيون عندما إنعكست أشعة الشمس على والوجوه من سطح الكرسيدا الذهبية اللامعة أثناء تحركها , و إنطلقت العربة لتغيب عن الأنظار سريعا بين الزروع الخضراء .

المرأة فى ريفنا لها وضعية خاصة فى أمور معينة تحديدا , نعم إن صوتها غير مسموع بما يكفي , و رأيها غير مكين لا يؤخذ بها كثيرا و بالأخص فيما إذا كانت مخالفة لرأي الرجال حتى و إن كان الأمر يتعلق بشخصيتها هي , إنه عرف و تقليد متوارث ليس لأحد أن يجادل فيه لأنه لن يصل الى نتيجة فى هذا , و فى المقابل هي مقدرة جدا و تناصرها الأمة كلها فيما لو تعرضت لتجريح أو مساس بعفتها أو كرامتها , و حتى لو تعرضت لمضايقة من أى نوع كانت هذه المضايقة , و السيرة الذاتية أخلاقيا مسألة فى غاية الحساسية , و من تسمح لنفسها أن تتعرض للقيل و القال فى هذا المجال فقد كتبت على نفسها الشقاء و البقاء رهن العنوسة طيلة بقية حياتها تحيطها اللعنات و الغمز و اللمز مدى العمر, كما و أنها لو تعرضت لقهر من أحد كائنا من كان بنية تشويه صورتها أو المساس بأخلاقياتها و سمعتها ثم ثبت للناس أنها مفترى عليها فإن فاعلها يلقى بنفسه فى مزبلة التاريخ و يخرج عن محيط المجتمع الذى يلفظه أبد الآبدين .

بعد أن أخرجت الخمر سليمان الخبيث من دائرة العقل و الأدب إنفرد بزنوبة ذات صباح فى غفلة منها ليداهمها أثناء إنشغالها بأمر عنزة تعانى عسرالولادة داخل الزريبة الكائنة داخل الجنينة و فى الجهة الخلفية للمنزل مكانا يعتبر شبه منعزل فى وضعية فتاة مثل زنوبة تتدفق شبابا و أنوثة .
نعم فالخبيث يرمي للحصول على إحدى حسنييه ـ حسب إعتقاده ـ الأولى: مواجهتها و الضغط عليها تارة و إغرائها تارة أخرى كي تقبل به عريسا , كيف لا و قد تفرق منافسوه كل لأمر يعنيه ؟!
و الثانية : أن يسعى فى حالة فشله فى الأولى أن يدمرها بتشويه سمعتها و الإفتراء عليها بأنها واعدته يوم كذا فى مكان كذا , و قد تعمد اللئيم أن يوحي للمارة بأنه يحادث زنوبة المختبئة فى زريبة الغنم و فى وضح النهار مما يعتبر موقفا و مكانا غير آمنين بمقياس نظرة الناس لمثل هذه الأمور .
لم تضع زنوبة فى حسبانها نتائج هذه المكيدة الماثلة فى محادثة سليمان لها فى مثل هذا المكان , فقط إعتبرته نوع من التحدى منه و تخويف لها , و هى بالطبع لا تهاب أحدا , و إلا لغادرت المكان من فورها حتى لا تعرض نفسها لروايات الحاسدين و الحاقدين ..
آه يا زنوبة ! لقد أخطأت كثيرا بمحاورة ذاك الغبي كل تلك المدة التى قضاها الجبان واقفا بباب الزريبة لا يفصلك عنه سوى بعض أمتار, و مهما كانت قناعاتك و ردودك لأسئلة الفضوليين فلن تسلمى من ألسنتهم البغيضة , و إشاراتهم السالبة .

لو علمت زنوبة يا سادتى ما خبأ لها القدر , أو أخذت هي بنفسها الأمور من منظور ما هو كائن فى تلك الأنحاء لفرت من قدرها الى قدر آخر ربما كان أهون أثرا عليها ـ و لتركت العنزة تعاني ما تعاني , بل ربما تركت الزريبة بما فيها و لو تهددتها نيران تحيط بها لتبيدها عن آخرها .. و لكن آه إنها الأقدار و ما لأحد منها فرار ...
__________________
صمت فقالوا كليل اللسان نطقت فقالوا كثير الكلم
حلمت فقالوا : صنيع الجبان و لو كان مقتدرا لأنتقم
يقولون شدّ إذا قلت : لا ....... و إمّعة إذا وافقتهم
فأيقنت أنّي مهما أردت رضي الناس لابدّ حتما أذم
محمد فضل محمد صالح ـ طبق غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 27-02-2011, 08:57 AM   #26
 
تاريخ التسجيل: Mar 2010
المشاركات: 272
محمد فضل محمد صالح ـ طبق is on a distinguished road
افتراضي

الحلقة العاشرة

أفلحت زنوبة و أبدعت كثيرا فى رسم لوحة تراثية نوبية معبرة , و شاملة المعالم و الطقوس و فى غاية الروعة و البهاء فى عرس صاحبتها رقية, حيث إستلمت زمام الأمور فيما يتعلق بالعروسة و أصبحت لها ( الوزيرة ) تأتمر بأمرها و تنفذ طلباتها .
و الجدير بالذكر أن زنوبة إقتفت آثار أجدادها النويين لتعيد أمجاد ذلك الجمال الآسر و الذى آل للإندثار تحت وطأة المدنية و الحضارة الغربية الضاغطة التى وفدت على المنطقة فى العقود الأخيرة .
كانت من توصيات الوزيرة زنوبة لصديقتها ألا تقترب من أدوات و كماليات الغرب بتاتا , و أمرت بتمشيط شعرها ضفائر ناعمة كالحرير و إضافة ( الجورسيه ) كما أمرت بالإستعداد لجراحة ( دق الشلوفة ) ..
لون العروسة رقية ( الخاطف ) أكثر من لون مع جمال تقاطيع وجهها الناصع و خدودها البضة ستجعل من مكياج شفاهها مثلا يضرب . و رغم أن إجراءات عملية ( دق الشلوفة ) و طريقة تثبيت اللون فى الشفة بطولها كانت غاية فى القسوة و الألم إلا أن الجمال الذى تضفيه هذه الجراحة فى شكل الأنثي و التى تدوم ما دامت حياتها كانت الدافع لهن لإحتمال تلك القسوة و الآلام المبرحة التى تكون أثناء و بعد الجراحة لأيام و أيام .
و تأخذ هذه العملية صفة الجراحة الدقيقة جدا و تأخذ زمنا طويلا حيث تتم على الطبيعة و دون معينات من قبيل البنج و التخدير, و كانت أدوات الجراحة عبارة عن إبر فولاذية أو ( كوشكر ) حاد , و أحيانا أصناف معينة من أشواك شجرة الطلح و السنط و السدر ( كنسّي شوكاب ) أو شوك نخل القنديل القوي حيث تثقب الشفة السفلية بطولها ثقوبا غائرة و متلاصقة حتى تصبح و كأنها جرح واحد يتمدد بطول الشفّة بينما تسيل الدماء بغزارة و تعيق أحيانا عملية مواصلة هذه الجراحة المؤملة .
ثم يجبر الجرح ببعض ملح و قرض لتقليل سيل إندفاع الدماء لتوضع عليها صبغة اللون المكونة من ( سكن الدوكة الباطنية ) أرمود ( ثاني أكسيد الرماد ) بالاضافة للصمغ و بعض إضافات من قبيل القرض و نحوه و تترك لأيام يحرصون خلالها على عدم إقتراب السوائل بأنواعها ناحية الجرح حتى يجف تماما و يندمل ثم تلمّع بزيت السمسم و السمن البلدي .
كل هذه الأمور تتم فى الخفاء نوعا ما و بالأخص عن أعين الرجال و الشباب من العزاب على وجه الخصوص فلا لأحد من الذكور أن ينعم برؤية الفتاة بمجرد إنتشار خبر خطبتها و حتى الى ما بعد زواجها بعدة أشهر فذاك خط أحمر ليس لأحد أن يتحدث عنه أو يناقش فيه , علما بأن الخطبة و الزواج لا يكون بينهما زمان طويل كما هو كائن الآن ..
كم تاقت قلوب الشباب ( من أمثال ناس ....... ) لرؤية العروسة رقية فى تلك الأيام و هى فى كامل زيها و جميل زينتها , وكم رسموا فى دواخلهم و مخيلاتهم صورا شتى لها لدرجة أن تولـّد لديهم شجن كامن و كبت للمشاعر الجياشة فهم شباب فى سن الثورة العاطفية ...
و لكن سرعان ما تنفجر تلك المشاعر الجياشة و الشجن المكبوت فى ليال العرس و حفلات الفرح التى تمتد لأيام و ليال متواليات , فعندما تهز ( الدلوكة ) عرصات الدار و النواحي , هنا تستطيع أن تقرأ فى وجوههم و نبراتهم و صياحهم و حركاتهم مدلولات ذاك الشجن يزفرونها زفرا عندما يتقاذفون بأجسادهم داخل دائرة الرقص ( زي صقرا نزل من فوق ) و مقارعتهم بعضهم البعض تحت ظلال السوط الذى يشق الظهور فتطير الدماء فى كل ناحية من جرح السوط الغائر ممتدا من أعلى الكتف و حتى بداية الفخذ بينما تشتعل الكفوف و الأقدام من حر ( الصفقة ) و يغريهم صوت الطمبور حنينا يضفى على كل صور الشراسة هذه بعضا من السكينة و الوجوم و اللهفة المشوبة بألق الشوق , إنها لغة لا يفهم حروفها و عباراتها إلا أصحاب القلوب العاشقة , و سهّار الليل ...
فى الحفلة الأولى تم تغيير آلة الطمبور أكثر من مرة , نعم جوهر سعيد ـ رحمه الله , إنه ملك الطمبور فى تلك الناحية على الاطلاق , إندمج فى شجنه القديم , عاودته الذكريات القديمة و مجد شبابه , فتعامل مع أسلاك الطمبور بعنف بائن حتى تقطعت أوتاره و أسلاكه , جيء له بثان و ثالث , زغاريد النساء تصم الآذان و تنشر البهجة و الفرح , رقصن حافيات فى تراب الحوش يقدلن كما الوزين فى صيف النيل العظيم , إرتفع الغبار عاليا حتى عانق السماء و أضواء الرتاين المجهرة تعطى لونا إختلط بغبار ناعم يتأجج الى العلياء , الى حد البصر ..
بعض النساء أغمي عليهن من جهد الرقص و اشياء أخرى .. الزليان و كوشي و سيلا حملن على الأكتاف الى مراقدهن فى الداخل , وقعن فى وسط حلبة الرقص , بعضهم منحهن ( سيجارة قمشة ) مصصن بعض أنفاس منها بشهية مفرطة .. إنها حالات نادرة و لأشخاص بعينهم من فئة النساء يسمونها ( دستور ) معروفون لدى العامة بتكرار مثل هذه الأحداث , يرقصن على إثرها بطريقة هستيرية , و يقال أن رائحة العطور التى تعبق فى المكان بعطن الصندل و مزيج الخمرة ترحل بأمثال هؤلاء الى دنياوات أخرى .. لا أحد فكر فى إيجاد الحلول أو البحث عن أسباب مثل هذه الحالات , هل هو عبارة عن فائض لقدرة الجسد على تحمل الشجن المكتوم؟ هل هذا عبارة عن ( فقد حنان ) كما يطلق عليه الآن ؟؟؟ لا أحد يدرى , إنها حالة قديمة متعارف عليها , هستيريا , فرقص غريب , ثم إغماءة فهبوط ثم وقوع على الأرض فسجارة ثم تحمل كالجثة الهامدة الى إحدى الأسرة و العناقريب , و يواصل البقية ليلتهم كأن لم يحدث شيء .. و بعد فترة يعدن الى ما كن فيه من قبل ..
كانت هذه الليلة مميزة حقا المغني و الراقصون و ضاربو السوط و المضروبون كانوا فى قمة النشوة .. و فى نهاية الليلة بحث الحضور عن أولئك الآتون من المدن و الذين وصلوا أثناء الحفل يسلمون عليهم , و الكل سألهم عن محمود و أمه فأفادوا بأن أم محمود تماثلت للشفاء كثيرا و أصبحت تتمتم بعض كلمات كانت عسيرة عليها من قبل و ربما عادوا الى القرية فى أقل من شهر .
فرح الناس لهذا الخبر السعيد ايما فرح و منحوهم بعض الدعاء نابعا من أعماقهم أن يبارك الله فيهم و أن ترجع أم محمود و إبنها عن قريب سالمين ..
إمتدت الأفراح و السعادة لأيام ثلاث و فى ضحى اليوم الرابع و بينما الناس تتناقل إحداثيات الليلة المنصرمة فى دار العرس , و كيف أن حسنتود كان ثملا أكثر من اللازم و تسبب فى ( شكلة ) طارت لها العمم و الطواقي و أن إصابة فرح مهمنتود لو كانت فى الرأس أو الصدر بدلا عن الكتف لأودت بحياته و لمسّ الناس حزن مقيم و أضاع عليهم متعة باقي ليالي العرس .. و كيف أن عبدالمنان كان له الفضل فى الامساك بحسنتود و هو فى قمة هيجانه و طرحه أرضا ثم كبلت يداه من خلف و حمل الى دار مجاور ..
فى هذه الأثناء شق صوت جهورى غليظ سماوت تلك الهمهمات آتيا من مكان ليس بقريب لم يستبينوا مخارج صوته أول مرة , إنه صوت عبدربه المعروف فى كل تلك النواحي ..
فصوته لا يأتى بخير ..
شنفت الآذات ..
و هدأ الضجيج فى دار العرس و ضواحيه ..
يتقدم عبدربه من الجنوب الشرقى الى الشمال الغربي حيث أطراف القرية الأخرى , قرية أهل زنوبة ..
كان فقيرتود بين نخله قريبا من دار العرس , تسارعت خطواته نحو البيت و إبريق وضوئه فى يده و هو يردد ...
لا إله إلا اللهو ..
مهمد رسور اللهو ..
إنا لله و إنا راجئون !
هكذا قالها ...
قصد عبد ربه أن يكون قريبا أكثر من دار العرس حتى لا يتعب حنجرته و هو يحث حماره الكسول ليسرع أكثر ـ
ثم أطلق قذيفة بهتت العالمين ...
........... برو قايبي بو...
إنا لله و إنا إليه راجعون ..
أعاد فقيرتود الجملة مرة و إثنتين ثم توقف فى مكانه , إقترب منه عبدربه و سلم عليه ..
فقيرتود : متين الهبر دا ؟!!
عبدربه : الليلة باد الفتور هليفي جاب تلقراف بيت مهمود .
لا حول و لاقوة إلا بالله ..
ساد وجوم غريب كل الأرجاء , تجمدت الدماء فى حلق زنوبة و هي فى جوار العروسة , لم تدر ما تقول أو كيف تتصرف فتحجرت فى مكانها ...
آآه يا محمود...
لك الله ..
إذا توفيت أمك !!
لا حول و لا قوة إلا بالله ...
صرخت أم زنوبة صرخة دوّت بالمكان و أختطفت ثوبها فلبسته بالمقلوب و إنطلقت لا تلوى على شيء , و تبعتها إبنتها و من ثم خرجت الأفواج من النساء من كل صوب و إتجهت ناحية القرية الأخرى حيث منزل العزاء ...
يقدمن العزاء لأخوات محمود , و فى رأس كل واحدة منهن أفكار تترى بخصوص وجوب تجهيز طعام الغداء لرجال المسجد و نساء القرى المجاورة . و لكن كيف ؟؟ لا توجد فى البيوت شيء , لقد كانوا لعدة أيام يأكلون و يشربون فى دار العرس !!
الماجي .. نعم الماجى ... حلال العقد فى مثل هذه المواقف .. و لكن ماذا سيقول الناس عنا ؟؟ قراصة ويكة بمرق ؟؟ بدون لحم , أو حتى لحم دجاج , هذه الأفكار فعلت برأس حجة سكينة العرجاء و هى تحاول اللحاق بتلك الأفواج التى إندفعت بسرعة مذهلة , و فى غفلة منها هوت بجسدها النحيل فى حفرة ( مربخ ) قديمة و كادت تكسر ساقها العرجاء ...
فقيرتود فى طريقه الى مسجد العزاء وجد حجة سكينة و قد أقعدها الألم فحملها فوق حماره , و مشى يجر الحمار أمامها ...
__________________
صمت فقالوا كليل اللسان نطقت فقالوا كثير الكلم
حلمت فقالوا : صنيع الجبان و لو كان مقتدرا لأنتقم
يقولون شدّ إذا قلت : لا ....... و إمّعة إذا وافقتهم
فأيقنت أنّي مهما أردت رضي الناس لابدّ حتما أذم
محمد فضل محمد صالح ـ طبق غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 27-02-2011, 09:01 AM   #27
 
تاريخ التسجيل: Mar 2010
المشاركات: 272
محمد فضل محمد صالح ـ طبق is on a distinguished road
افتراضي

الحلقة العاشرة

أفلحت زنوبة و أبدعت كثيرا فى رسم لوحة تراثية نوبية معبرة , و شاملة المعالم و الطقوس و فى غاية الروعة و البهاء فى عرس صاحبتها رقية, حيث إستلمت زمام الأمور فيما يتعلق بالعروسة و أصبحت لها ( الوزيرة ) تأتمر بأمرها و تنفذ طلباتها .
و الجدير بالذكر أن زنوبة إقتفت آثار أجدادها النويين لتعيد أمجاد ذلك الجمال الآسر و الذى آل للإندثار تحت وطأة المدنية و الحضارة الغربية الضاغطة التى وفدت على المنطقة فى العقود الأخيرة .
كانت من توصيات الوزيرة زنوبة لصديقتها ألا تقترب من أدوات و كماليات الغرب بتاتا , و أمرت بتمشيط شعرها ضفائر ناعمة كالحرير و إضافة ( الجورسيه ) كما أمرت بالإستعداد لجراحة ( دق الشلوفة ) ..
لون العروسة رقية ( الخاطف ) أكثر من لون مع جمال تقاطيع وجهها الناصع و خدودها البضة ستجعل من مكياج شفاهها مثلا يضرب . و رغم أن إجراءات عملية ( دق الشلوفة ) و طريقة تثبيت اللون فى الشفة بطولها كانت غاية فى القسوة و الألم إلا أن الجمال الذى تضفيه هذه الجراحة فى شكل الأنثي و التى تدوم ما دامت حياتها كانت الدافع لهن لإحتمال تلك القسوة و الآلام المبرحة التى تكون أثناء و بعد الجراحة لأيام و أيام .
و تأخذ هذه العملية صفة الجراحة الدقيقة جدا و تأخذ زمنا طويلا حيث تتم على الطبيعة و دون معينات من قبيل البنج و التخدير, و كانت أدوات الجراحة عبارة عن إبر فولاذية أو ( كوشكر ) حاد , و أحيانا أصناف معينة من أشواك شجرة الطلح و السنط و السدر ( كنسّي شوكاب ) أو شوك نخل القنديل القوي حيث تثقب الشفة السفلية بطولها ثقوبا غائرة و متلاصقة حتى تصبح و كأنها جرح واحد يتمدد بطول الشفّة بينما تسيل الدماء بغزارة و تعيق أحيانا عملية مواصلة هذه الجراحة المؤملة .
ثم يجبر الجرح ببعض ملح و قرض لتقليل سيل إندفاع الدماء لتوضع عليها صبغة اللون المكونة من ( سكن الدوكة الباطنية ) أرمود ( ثاني أكسيد الرماد ) بالاضافة للصمغ و بعض إضافات من قبيل القرض و نحوه و تترك لأيام يحرصون خلالها على عدم إقتراب السوائل بأنواعها ناحية الجرح حتى يجف تماما و يندمل ثم تلمّع بزيت السمسم و السمن البلدي .
كل هذه الأمور تتم فى الخفاء نوعا ما و بالأخص عن أعين الرجال و الشباب من العزاب على وجه الخصوص فلا لأحد من الذكور أن ينعم برؤية الفتاة بمجرد إنتشار خبر خطبتها و حتى الى ما بعد زواجها بعدة أشهر فذاك خط أحمر ليس لأحد أن يتحدث عنه أو يناقش فيه , علما بأن الخطبة و الزواج لا يكون بينهما زمان طويل كما هو كائن الآن ..
كم تاقت قلوب الشباب ( من أمثال ناس ....... ) لرؤية العروسة رقية فى تلك الأيام و هى فى كامل زيها و جميل زينتها , وكم رسموا فى دواخلهم و مخيلاتهم صورا شتى لها لدرجة أن تولـّد لديهم شجن كامن و كبت للمشاعر الجياشة فهم شباب فى سن الثورة العاطفية ...
و لكن سرعان ما تنفجر تلك المشاعر الجياشة و الشجن المكبوت فى ليال العرس و حفلات الفرح التى تمتد لأيام و ليال متواليات , فعندما تهز ( الدلوكة ) عرصات الدار و النواحي , هنا تستطيع أن تقرأ فى وجوههم و نبراتهم و صياحهم و حركاتهم مدلولات ذاك الشجن يزفرونها زفرا عندما يتقاذفون بأجسادهم داخل دائرة الرقص ( زي صقرا نزل من فوق ) و مقارعتهم بعضهم البعض تحت ظلال السوط الذى يشق الظهور فتطير الدماء فى كل ناحية من جرح السوط الغائر ممتدا من أعلى الكتف و حتى بداية الفخذ بينما تشتعل الكفوف و الأقدام من حر ( الصفقة ) و يغريهم صوت الطمبور حنينا يضفى على كل صور الشراسة هذه بعضا من السكينة و الوجوم و اللهفة المشوبة بألق الشوق , إنها لغة لا يفهم حروفها و عباراتها إلا أصحاب القلوب العاشقة , و سهّار الليل ...
فى الحفلة الأولى تم تغيير آلة الطمبور أكثر من مرة , نعم جوهر سعيد ـ رحمه الله , إنه ملك الطمبور فى تلك الناحية على الاطلاق , إندمج فى شجنه القديم , عاودته الذكريات القديمة و مجد شبابه , فتعامل مع أسلاك الطمبور بعنف بائن حتى تقطعت أوتاره و أسلاكه , جيء له بثان و ثالث , زغاريد النساء تصم الآذان و تنشر البهجة و الفرح , رقصن حافيات فى تراب الحوش يقدلن كما الوزين فى صيف النيل العظيم , إرتفع الغبار عاليا حتى عانق السماء و أضواء الرتاين المجهرة تعطى لونا إختلط بغبار ناعم يتأجج الى العلياء , الى حد البصر ..
بعض النساء أغمي عليهن من جهد الرقص و اشياء أخرى .. الزليان و كوشي و سيلا حملن على الأكتاف الى مراقدهن فى الداخل , وقعن فى وسط حلبة الرقص , بعضهم منحهن ( سيجارة قمشة ) مصصن بعض أنفاس منها بشهية مفرطة .. إنها حالات نادرة و لأشخاص بعينهم من فئة النساء يسمونها ( دستور ) معروفون لدى العامة بتكرار مثل هذه الأحداث , يرقصن على إثرها بطريقة هستيرية , و يقال أن رائحة العطور التى تعبق فى المكان بعطن الصندل و مزيج الخمرة ترحل بأمثال هؤلاء الى دنياوات أخرى .. لا أحد فكر فى إيجاد الحلول أو البحث عن أسباب مثل هذه الحالات , هل هو عبارة عن فائض لقدرة الجسد على تحمل الشجن المكتوم؟ هل هذا عبارة عن ( فقد حنان ) كما يطلق عليه الآن ؟؟؟ لا أحد يدرى , إنها حالة قديمة متعارف عليها , هستيريا , فرقص غريب , ثم إغماءة فهبوط ثم وقوع على الأرض فسجارة ثم تحمل كالجثة الهامدة الى إحدى الأسرة و العناقريب , و يواصل البقية ليلتهم كأن لم يحدث شيء .. و بعد فترة يعدن الى ما كن فيه من قبل ..
كانت هذه الليلة مميزة حقا المغني و الراقصون و ضاربو السوط و المضروبون كانوا فى قمة النشوة .. و فى نهاية الليلة بحث الحضور عن أولئك الآتون من المدن و الذين وصلوا أثناء الحفل يسلمون عليهم , و الكل سألهم عن محمود و أمه فأفادوا بأن أم محمود تماثلت للشفاء كثيرا و أصبحت تتمتم بعض كلمات كانت عسيرة عليها من قبل و ربما عادوا الى القرية فى أقل من شهر .
فرح الناس لهذا الخبر السعيد ايما فرح و منحوهم بعض الدعاء نابعا من أعماقهم أن يبارك الله فيهم و أن ترجع أم محمود و إبنها عن قريب سالمين ..
إمتدت الأفراح و السعادة لأيام ثلاث و فى ضحى اليوم الرابع و بينما الناس تتناقل إحداثيات الليلة المنصرمة فى دار العرس , و كيف أن حسنتود كان ثملا أكثر من اللازم و تسبب فى ( شكلة ) طارت لها العمم و الطواقي و أن إصابة فرح مهمنتود لو كانت فى الرأس أو الصدر بدلا عن الكتف لأودت بحياته و لمسّ الناس حزن مقيم و أضاع عليهم متعة باقي ليالي العرس .. و كيف أن عبدالمنان كان له الفضل فى الامساك بحسنتود و هو فى قمة هيجانه و طرحه أرضا ثم كبلت يداه من خلف و حمل الى دار مجاور ..
فى هذه الأثناء شق صوت جهورى غليظ سماوت تلك الهمهمات آتيا من مكان ليس بقريب لم يستبينوا مخارج صوته أول مرة , إنه صوت عبدربه المعروف فى كل تلك النواحي ..
فصوته لا يأتى بخير ..
شنفت الآذات ..
و هدأ الضجيج فى دار العرس و ضواحيه ..
يتقدم عبدربه من الجنوب الشرقى الى الشمال الغربي حيث أطراف القرية الأخرى , قرية أهل زنوبة ..
كان فقيرتود بين نخله قريبا من دار العرس , تسارعت خطواته نحو البيت و إبريق وضوئه فى يده و هو يردد ...
لا إله إلا اللهو ..
مهمد رسور اللهو ..
إنا لله و إنا راجئون !
هكذا قالها ...
قصد عبد ربه أن يكون قريبا أكثر من دار العرس حتى لا يتعب حنجرته و هو يحث حماره الكسول ليسرع أكثر ـ
ثم أطلق قذيفة بهتت العالمين ...
........... برو قايبي بو...
إنا لله و إنا إليه راجعون ..
أعاد فقيرتود الجملة مرة و إثنتين ثم توقف فى مكانه , إقترب منه عبدربه و سلم عليه ..
فقيرتود : متين الهبر دا ؟!!
عبدربه : الليلة باد الفتور هليفي جاب تلقراف بيت مهمود .
لا حول و لاقوة إلا بالله ..
ساد وجوم غريب كل الأرجاء , تجمدت الدماء فى حلق زنوبة و هي فى جوار العروسة , لم تدر ما تقول أو كيف تتصرف فتحجرت فى مكانها ...
آآه يا محمود...
لك الله ..
إذا توفيت أمك !!
لا حول و لا قوة إلا بالله ...
صرخت أم زنوبة صرخة دوّت بالمكان و أختطفت ثوبها فلبسته بالمقلوب و إنطلقت لا تلوى على شيء , و تبعتها إبنتها و من ثم خرجت الأفواج من النساء من كل صوب و إتجهت ناحية القرية الأخرى حيث منزل العزاء ...
يقدمن العزاء لأخوات محمود , و فى رأس كل واحدة منهن أفكار تترى بخصوص وجوب تجهيز طعام الغداء لرجال المسجد و نساء القرى المجاورة . و لكن كيف ؟؟ لا توجد فى البيوت شيء , لقد كانوا لعدة أيام يأكلون و يشربون فى دار العرس !!
الماجي .. نعم الماجى ... حلال العقد فى مثل هذه المواقف .. و لكن ماذا سيقول الناس عنا ؟؟ قراصة ويكة بمرق ؟؟ بدون لحم , أو حتى لحم دجاج , هذه الأفكار فعلت برأس حجة سكينة العرجاء و هى تحاول اللحاق بتلك الأفواج التى إندفعت بسرعة مذهلة , و فى غفلة منها هوت بجسدها النحيل فى حفرة ( مربخ ) قديمة و كادت تكسر ساقها العرجاء ...
فقيرتود فى طريقه الى مسجد العزاء وجد حجة سكينة و قد أقعدها الألم فحملها فوق حماره , و مشى يجر الحمار أمامها ...
__________________
صمت فقالوا كليل اللسان نطقت فقالوا كثير الكلم
حلمت فقالوا : صنيع الجبان و لو كان مقتدرا لأنتقم
يقولون شدّ إذا قلت : لا ....... و إمّعة إذا وافقتهم
فأيقنت أنّي مهما أردت رضي الناس لابدّ حتما أذم
محمد فضل محمد صالح ـ طبق غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-03-2011, 10:24 AM   #28
 
تاريخ التسجيل: Mar 2010
المشاركات: 272
محمد فضل محمد صالح ـ طبق is on a distinguished road
افتراضي



الحلقة الثانية عشرة

بعد شهر و نصف من وفاة والدته , كان موعد محمود مع الأطباء فى العاصمة لإجراء فحوصات أخري إثر تناوله تلك الأدوية و المضادات التى صرفت له من قبل , و رغم محاولات إخواته و بقية أهله معرفة ما أخفاه من أسباب سفره باءت بالفشل , إنه سر غريب , يقول لهم أن له مصالح مهمة سيقضيها و يعود فى الحال .
زينوبة كانت مثل إخوات محمود ـ على يقين بأنه يخفى سرا كبيرا عنهم جميعا , و آخر ما حاول أن يقنعهم به هو أنه ينوى التجارة و أن هذه التجارة فى مثل هذه الأيام تحتاج لبعض الحنكة و المشورة و ضرورة الذهاب الى هناك لأن الأمر كما وصفه سيف ذو حدين و لا تجب المخاطرة ..
دارت العيون فى محاجرها و إزداد القلق ضراوة فى صدور أهله عندما سمعوا صوت اللورى ينهب الأرض فى طريقه إليهم .. نعم , إنه نفس اللورى و نفس السائق و نفس المودعين إلا أمه التى إرتحلت الى عالم آخر , تساقطت الدموع كعادتها , و إرتفعت الأصوات بالدعاء و التوفيق لمحمود فى مهمته السرية الغامضة.
إحتمالات كثيرة طافت برأس محمود و اليأس يحيط بكل جوانحه فيضيق به صدره , شيء واحد كان عزاؤه دائما , و هو قناعته التامة و إيمانه العميق بأن كل ما هو كائن بأمر الله سبحانه و تعالي و لا لأحد أن يغير أو يبدل فى المكتوب شيئا , فقط مصير أخواته المجهول من بعده كان يحز فى نفسه كثيرا ...
الأطباء فى بلادى لهم شأن و أي شأن , فتجد بينهم خيرة أطباء الدنيا إنسانية و مهنية , كما و تجد بينهم من تشك فى قدراته و كيفية صيروراه طبيبا من الأساس ؟!
محمود يا سادتى لم يك مريضا كما أدعوه , و لم يك دمه ( وسخانا ) مثلما أشيع فى أروقة المستشفى, فقط هو الإهمال و عشوائية التعامل من تلك الفئة من الأطباء عديمو الإنسانية و عديمو الخبرة حتى فى عملهم الذى يترزقون منه هم و أهليهم . فالدم المسحوب من محمود لم يك صاحب النتيجة التى أبلغ عنها , كان هنالك خلط فى أرقام الأنابيب الخاصة بالفحص , تكرر الرقم فى إنبوبتين كانت إحداها تخص محمود و الأخرى حامل المرض لشخص آخر , و هذه النتيجة لم تظهر حقيقتها إلا بعد أن تم فحص دمه فى هذه المرة ـ أي المرة الأخيرة , و بدءا إعتقدوا بأنها نتيجة حتمية لتأثيرات تلك العقاقير و المضادات الحيوية التى منحت له , و بتكرار الفحص تبين أن دمه خال من كل الشكوك و أن إحدى تلك الأنابيب اللعينة التى أظهرت المرض لا تخص محمود من قريب و لا من بعيد ..
فى اليوم الموعود لنتيجة الفحص الأخير جلس محمود فى صالة الانتظار شارد الذهن و الفكر و بدا واهنا بعض الشيء , سمع نداء إسمه كصوت يأتيه من غياهب بعيدة , مشى نحوه بخطى متعثرة , إستلم الورقة و نظر فيها و لا يكاد يرى فيها حرفا واحدا ثم تحرك يجر رجليه الى غرفة الطبيب و هو شبه قانع بأن تأكيد المرض واقع لا محالة , بلع ريقه بكل صعوبة و شعر بوخز فى حلقه فقد كان جافا للغاية .. لا حول و لا قوة إلا بالله .. لو أمعن محمود نظره بتركيز فى الورقة لعلم ما كتب فيها .. هذه ليست ورقة فحص , إنها إشارة بأن ملفه موجود بطرف الدكتور فى مكتبه ..
نعم ... المسألة إذا محسومة من قبل و أنه ربما كان محمود بريئا من تهمة المرض , و لكن للتأكد التام أجريت له تلك الفحوصات الأخيرة , و لم يتم إبلاغه بتلك الشكوك التى ربما تبريء ساحته , و ملفه الموجود طرف الدكتور كان دليلا كافيا لتلك التبرئة ..
دخل محمود و سلم على الدكتور و فجأة إرتسمت هلى محيا الدكتور إبتسامة عريضة , نظر إليه محمود مليا و لم يفهم سر تلك الابتسامة الغامضة ..
مبروك يا محمود , قالها الدكتور و هو يقوم من مجلسه و يتجه ناحية محمودا و ربت على كتفه , غلطة بسيطة حصلت , و لكن برضو دا كان من صالحك عشان نسعى ورا سر ( وساخة ) الدم لحدما إتمكنا من تأكيد أن دمك نظيف و خال من أي مرض ..
لم يستوعب محمود ما قاله الطبيب فقد سرح بفكره الى ما وراء الحياة منذ دخوله , كان يفكر فى مصير إخواته بعد مماته المرتقب فى عهد قريب , أولئك اللائي فقدن الأب و الأم , و هو الآن فى طريقه للحاق بهم ..
محمود !!!!
سرحت وين يا راجل ؟؟ قالها الطبيب و بقايا وقاحة لا تزال تبدو فى مخارج كلماته
أيوة يا دكتور ... قلت شنو ؟؟
بقول ليك مبروك , و الحمد لله دمك طلع نضيف , يعنى ما عندك حاجة ..
بدت على وجهه محمود الكالح إبتسامة باهتة مقهورة ..
طلع نضيف ؟!
كيف يعنى ؟!
الأدوية بتاعتكم دى هي اللى نقّت دمى الوسخان و هسع بقى ما وسخان , ضحك بهستيريا ثم صمت فجأة و هو ينظر فى ملامح وجه الدكتور غير مصدق لما سمع
تأوه محمود بحرقة , تقلبت كلمات الطبيب فى خاطرة , تداخلت معها صور معرفية قليلة كان قد سمع بعض تفاصيلها من قبل بأن هذا المرض اللعين يبدأ فى مراحلها الأولى بما يسمى الحزام النارى , و أنه يبقى كامنا فى الجسم لعشرات السنين , و ... و ... و أعتقد بأن الطبيب يعنى أن مرضه فى هذه المرحلة لا خطورة منها على حياته .
الطبيب : حصل خطأ يا محمود فى ترقيم أنابيب دم الفحص , يعنى نتيجة الفحص طلع إنه ما نتيجة دمك اللى سحبناه منك ..
أحس محمود بأن صوت الطبيب يبتعد عنه رويدا رويدا حتى لم يكد يسمع شيئا من بقية كلامه , فقط يرى شفاهه تتحرك الى الأعلى و الأسفل و لكن لا صوت يسمع , كما أحس بأجفانه تتجاذب و النعاس يضغط عليه ..
إنتبه محمود ليجد نفسه و قد وضع على أنفه الأوكسجين , و بعض دربات تعمل فى جسده , نظر يمنة و يسرة حتى تأكد بأنه طريح فراش المستشفى , و بعد دقائق أتت ممرضة رقيقة لتزيل تلك الأشياء بسرعة و هو مذهول لا يدرى بما يجرى , حمد الله على السلامة أستاذ محمود قالتها الممرضة , و محمود مشدوه ينظر إليها ثم سألها : فى شنو ؟
قالت الممرضة : مافى حاجة يا محمود , كنت بتعانى من إرهاق بسيط , يلا قوم , الدكتور عايزك فى مكتبو عشان يكمل كلامو البداهو معاك قبل ما يغمى عليك ..
قام الطبيب هذه المرة عند دخول محمود عليه مسلما يربت على كتفه و يجلسه على الكرسى بجانبه ..
معليش يا محمود أكيد الحصل دا سبب ليك أزمة نفسية و هموم و أنا مقدر الظرف دا, و لكن و الله الزول اللى إتسبب فى المسألة دى ح يجازى و يعملوا ليهو جلسة تأديب .
إبتسم محمود ببلاهة و كاد أن يضحك ثانية إلا أن صوت الطبيب قطع عليه حبال أفكاره عندما قال : هسع ممكن تمشى لجهات تانية تفحص دمك عشان تطمئن أكثر فأكثر , و معليش ح أسيبك لأنى عندى مرور على المرضى , عن إذنك.
خرج الدكتور تاركا محمود فى حيرته المقيتة و هو لا يكاد يعلم شيئا مما يجرى حوله , و فجأة لمح الممرضة التى سحبت منه الدم تمر بسرعة من أمام مكتب الطبيب الذى يجلس فيه , حاول القيام و اللحاق بها , و لكنه أحس بجسده كالملتصق بالكرسى , كما حاول أن ينادى عليها فابى عليه لسانه الذى تحجر فى تلك الأثناء , نظر برهة الى الأفق البعيد من فوق أشجار النيم المتراصة بحذاء السور الخارجى للمستشفى , ثم قام يجر رجليه جرا الى خارج المستشفى .
قريب واحد لمحمود فى العاصمة ممن يتأكد هو من موقع عمله , ذهب إليه و وصل مكتبه بعد مشقة لأنه تاه عن المكان فى دروب و غيابة المدينة أكثر من مرة , و بعد التحايا و الملامات المتبادلة أخذه قريبه الى مستشفى خاص لفحص دمه و التأكد من سلامته , و كان لا بد لمحمود البقاء أسبوعا آخر حتى يتأتى له التأكد من معرفة مصيره . و كان هذا الأسبوع أكثر ثقلا على قلب محمود من أية فترة مضت عليه مذ دخوله عالم المرض و الهموم .
كانت قلوب إخواته تتحرقا شوقا لمعرفة شيء عن أخيهم و عائلهم الوحيد بعد الله , أي شيء يسكتون به أزيز قلقهم و شكهم القاتل ..
و زنوبة !!! ما أقسى هذه الظروف على قلبها المترع بحب محمود , تحلم به فى اليقظة و المنام , و صورته لا تفارق مخيلتها أبدا أبدا , و كل ما مرت الأيام يزداد شوقها و يكبر حبها و تزداد نيران غرامها أوارا .
جلست ذات يوم قبالة إبنة خالتها فتحية أخت محمود الكبرى تسأله و الشوق يكاد يعصف بها : يعنى يا فتحية محمود ما جاب ليكم أي سيرة عن حقيقة سفرو دا لا من قريب و لا من بعيد ؟ أو ما قدرتو تستشفوا حاجة كدة و لا كدة أثناء كلامو أو من تصرفاتو ؟؟!!
إلتفت فتحية تنظر الى زنوبة تحدق النظر فى أغوار عينيها اللتين إمتلأتا شوقا و غراما و حزنا و شفقة و كأنها تستكشف شيئا و لسان حالها يقول : أكيد محمود قال ليها حاجة و هى بتخبي علينا .. مش حبيبتو ؟؟ و الحبيب أصدق ما يصدق مع محبوبته دون سائر الناس ؟؟؟!!
لم تجب فتحية , و غضت زنوبة طرفها و أخذت تنكت الأرض بعود كبريت وجدتها أمامها على الأرض ..

__________________
صمت فقالوا كليل اللسان نطقت فقالوا كثير الكلم
حلمت فقالوا : صنيع الجبان و لو كان مقتدرا لأنتقم
يقولون شدّ إذا قلت : لا ....... و إمّعة إذا وافقتهم
فأيقنت أنّي مهما أردت رضي الناس لابدّ حتما أذم
محمد فضل محمد صالح ـ طبق غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-03-2011, 11:11 AM   #29
 
الصورة الرمزية سعيد كويا
 
تاريخ التسجيل: Oct 2008
الدولة: السعودية
المشاركات: 2,730
سعيد كويا is on a distinguished road
افتراضي

الاخطاء الطبيه القاتله في بلادي
تواجه بكل تخاذل وتعتبر تلك من الطيبه والشجاعه
بمكان ان تتناذل عن حقك اوحق من اقترف خطأ تجاهه
فكم راحت ارواح ضحيه مثل تلك الهفوات .


الرائع طبق عوداً حميداً
__________________
سعيد كويا غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 28-06-2011, 02:08 AM   #30
 
تاريخ التسجيل: Mar 2010
المشاركات: 272
محمد فضل محمد صالح ـ طبق is on a distinguished road
افتراضي

الحلقة الثالثة عشر
موسم جمع محصول التمر قد إنتهى منذ شهر تقريبا , و لكن لا يزال مركب الكنتين يقبع فى مكانه يخطف أضواء التجارة من بقية الدكاكين العادية و المنتشرة فى طول البلاد و عرضها , فترى من يحمل جوالا أو نصفه على ظهر حماره الى الكنتين يبتغي بثمنه سكرا و شايا و زيتا و صلصة و تمباك , و آخر يريد أن يجهز أبناءه للعام الدراسي الجديد من زى مدرسي و كراسات و أقلام , و ثالث يأتى بجل حصيلته من التمر يريدها نقدا يحتفظ به فى شنطة الحديد أم 3 طبل إيذانا لحج العام المقبل .
فى تلك الأثناء كانت الإستعدادات تجري على قدم و ساق و بلغت ذروتها فى بيت محمود العريس كما هو الحال فى منزل خالته فى أطراف القرية الأخرى حيث زنوبة العروسة و التى أكملت نصف زينتها ألبسة و جسدا و أصبحت شيئا هلاميا فعيناها المكحلتان تشبهان عيون المها و تكورت تقاسيم جسدها البض و ملست و لمعت حتى أشفقت عليها أمها من حسد الحاسدين و عيون الماكرين , و قد إرتسمت على محياها بسمة تذيب القلوب و تنزف مهج الشباب آهات تخرج من صدورهم حسرة و هم يحسون بأن ملاكا جميلا و جسدا كزبدة الحليب تضيع من بين أيديهم , فقد تغيرت هيئتها تماما و إنتصب قوامها أكثر و أمتلأ صدرها و نفر أكثر من ذى قبل , كل ذلك و هم يسمعون فقط ما تتناقله الألسنة من النساء و البنات مرورا بكبار السن إليهم , حيث أن زنوبة قد إختفت عن الأنظار نهائيا منذ أعلن طلب الزواج كعادة العرائس , و حرمت عليها الخروج من الدار بتاتا ..
أمام دكان الحاج حسين يعمر مجلس كبار السن كعادتهم منذ عشرات السنين , و تتصدر حكاية زواج محمود و زنوبة أحاديث مجلسهم كل ليلة و هم يتناولون عشاءهم سويا بعد صلاة العشاء و يتعاطون أخبار الساعة و ما يدور من حولهم فى البلد و النواحي القريبة , و كان أكثرهم سعادة الحاج حسين فمعظم أغراض العرس سيؤخذ من دكانه , نعم سيكون جله بالآجل و لكنه دين مضمون و لو بعد حين سيتم دفعه حتما , أما أكثرهم إنتشاءا فهو محمد احمد علوب , عجوز بروح الشباب عاشق لحفلات العرس تسره كثيرا رقصة التومة بت النور و كلتومة بت الحسين و بت ابوها و مدينة بت عوضين , هؤلاء النسوة مجيدات الرقص و اللائي أصبحن جزءا من ثقافة و تاريخ البلدة و بالأخص فى ليالي الأعراس و تجمعت الأفراح , يبهجون الشباب و يعيدون ذكريات الصبا لكبار السن فتصدر من صدورهم آهات الحزن و الأسى على ما تولى من عمر .. هذا فضلا عن فواصل الفكاهة التى تتمازج مع الأداء الإحتفالي و بطريقة تلقائية بحتة و دون ترتيب مسبق من عبدالباسط و ود المنى و محمد بشير , كشخصيات محورية أيضا تمثل الفترة الممتدة ما بين الزمن الجميل و هذا الزمان ..
إنها ليال لها نكهتها الخاصة و عبيرها الجاذب يفوح هناك فى مثل هذه الأيام من كل عام, و لا يتذوق لذتها و نشوتها إلا من تعاطاها.
عبدالرحمن قوق و عثمانتود صديقان قديمان منذ أن أشرقت عليهما شمس الشباب , هما كذلك موعودان بالإستمتاع بهذه الليالي الفرائحية المنتظرة , و عنهما حكاية أخرى , حيث أن لهما عشة صغيرة فى شكل برندة أنشآها من الخشب و سعف النخيل فى جزيرة قريبة يصلان إليها خوضا ليقضيا فيها جل ليلهما يتناولان مريسة التمر التى لا تنقطع فى عشتهم يصنعانها بأيديهما و يتناولانها مع أنغام الطمبور الذى يتقننانه كثيرا و يجيدان العزف عليه و يحسنان الغناء الهاديء الرخيم حتى ألفت أسماع الناس نغماتهم هذه فى معظم الأرجاء و أصبحت جزءا من أمسياتهم ينصتون إليها قبل منامهم .. لدرجة أن إمام المسجد الصغير تساءل مرة عن إختفاء صوت و نغمات لياليهما فأتاه بالخبر اليقين من يقول أنهما لا يملكان ثمن التمر لصنعة المريسة , فأرسل لهم بجوال و نصف قائلا : يجب مساعدة هذين العاشقين و لا نحرمهما من لذة العيشة التى يعشقونها .
نعم يا سادتى فى تلك الآونة كان الناس هناك قانعون كلهم و معهم إمام المسجد بأن المريسة ليست من الخمور أو المحرمات أبدا أبدا و أنها مجر خليط تمر و ماء و بعض ذرة .
تبقت لديهما البرمة الأخيرة من مريسة تمر الإمام و هما يمنيان أنفسهما بليال عرس و لا أجمل منها فى سوالف الأيام .
كثر القادمون للمناسبة من المدن البعيدة , بورتسودان , عطبرة , كريمة , الخرطوم , القطينة , و من جهات كوستى و سنار أبناء و بنات خال زنوبة يتقدمهم سامي ( الوسيم ) وأخته زاهية الجميلة و التى أضحت أنضر شبابا و أزهى جمالا .
هذه هى عاداتهم , لم و لن يتركوها أينما كانوا .. لمة الأهل فى مثل هذه المناسبات تبدو بائنة للعيان , إنها أعلى درجات التآلف و التكاتف الأسرى الجميل و النادر , حيث درجوا عليها بالتوارث .
إمتلأت زريبة البهائم بأعطيات الأقرباء و الأحباب من الخرفان و التيوس و بعض أناث يصلح بقاؤها للتكاثر , كما إمتلأت حظيرة الدجاج لدرجة أنه تم إيداع عدد كبير من الدجاج و الديوك الملونة الزاهية حظائر الجيران , أما القسيبة الكبيرة ( أم ستة شطور ) فكادت تنفجر بحمولة القمح و زجاجات زيت الطعام و الشاي و السكر يملأ المكان .
فى غرفتين توجد سيقان السيسبان الطويلة و قد مدت بين تربيزتين صغيرتين و قد تدلت منها فتل الشعيرية اليديوية الصنع بغزارة كبيرة فى منظر هندسي يصل حد الروعة .
هذا أوانكن أيتها الماشطات , إنهن يزاولن هذه المهنة المتوارثة بمهنية عالية و دقة متناهية للنسوة و صغار البنات أيضا و حتى الطفلات الصغيرة فيبرز جمالهن الأخاذ ..
أنزلت البروش و أخرجت من مخابئها , أشكال و أحجام مختلفة , بعضها ملونة تنظر إليها و كأنك أمام لوحة رسمت بريشة فنان محترف .
فتحية الأخت الكبيرة للعريس كانت مهمتها تجميع و تنظيف أدوات الحنة بكل متعلقاتها و ضرورياتها فى صينية كبيرة حتى ينسى شيء مهم يوم الحنة , و بين الفينة و الفينة تسقط من عينيها دمعة ساخنة ففى مثل هذه الأحوال يتذكرون المرحومة والدتهم التى إرتحلت من الفانية دون أن تتذوق سعادة زواج أولادها , و خصوصا محمود الذكر الوحيد و التى كانت ستتباهى به يوم عرسه .
إذا إكتملت الإستعدادات بدرجة كبيرة و لم يتبق إلا القليل ليتم تحديد يوم العقد المأمول .
__________________
صمت فقالوا كليل اللسان نطقت فقالوا كثير الكلم
حلمت فقالوا : صنيع الجبان و لو كان مقتدرا لأنتقم
يقولون شدّ إذا قلت : لا ....... و إمّعة إذا وافقتهم
فأيقنت أنّي مهما أردت رضي الناس لابدّ حتما أذم
محمد فضل محمد صالح ـ طبق غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:26 PM.


جميع المواضيع والمشاركات المطروحه تعبر عن وجهه نظر الكاتب ولا علاقه لمنتديات دنقلا بها.
تطوير وتصميم استضافة تعاون