منتديات دنقلا الاصالة والتاريخ  

العودة   منتديات دنقلا الاصالة والتاريخ > إعلامي المنتدى > مكتبة الاستاذ محمد فضل طبق

مكتبة الاستاذ محمد فضل طبق مكتبة تحوى كتابات الاستاذ محمد فضل محمد صالح طبق

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 09-01-2011, 11:40 AM   #11
 
تاريخ التسجيل: Mar 2010
المشاركات: 272
محمد فضل محمد صالح ـ طبق is on a distinguished road
افتراضي

الأعزاء / ملك كوش , سعيد كويا , سوار , أبو الطيب ..
تحية إعزاز و تقدير , و من ثم
لو إعتبرنا هذا منكم وقفة تشجيع للمضي قدما فبالطبع كفيتوا ووفيتوا , و لكن يا ترى هل سينجح الكاتب فى قوادم الحلقات أن ينتزع الوقفة هذه يستند عليها ؟ أم ستفشل المحاولة فيكون قد تسبب فى إيلامكم ؟ الله المستعان ..
و لكن أقول : أليست الحياة تجارب ؟ فلنفشل مرة و أخرى حتى نتمكن من النجاح , فالثقافة و السياسة محوران متحازيان , و لم تفشل سياستنا إلا بتقاعس الثقافة ! هل تشاطروننى رأيي هذا ؟؟ ربما !! شكرا كتير يا ناس , و يلا مع بعض نقاسم أخينا محمود بعض متاعبه فى الحلقة الثالثة ..
محمد فضل محمد صالح ـ طبق غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-01-2011, 11:52 AM   #12
 
تاريخ التسجيل: Mar 2010
المشاركات: 272
محمد فضل محمد صالح ـ طبق is on a distinguished road
افتراضي

الحلقة الثالثة

زينوبة
تلك الأنثى الجميلة المغرية كم كانت محظوظة عندما إستطاعت أن تحمي نفسها كثيرا من عبث العابثين و معاكسات البذيئين بتلك الصرامة التى رسمت على ملامح وجهها و جدية تصرفاتها التى مزجت بجمالها و روعة بسماتها القليلة و المحسوبة بدقة لتضفى على شخصيتها هالة من المهابة مذ ظهرت أولى علامات أنوثتها الطاغية فحجرت على حياتها كثيرا من مآلات التحرش و عشق العشاق و سفه المراهقين , لدرجة القسوة أحيانا فى إبداء رأيها حتى على الخطّاب الذين يطلبونها على سنة الله و رسوله .
سرحت بخيالاتها الى ما وراء الاحتمالات تتقاذفها أسئلة شتى , ما هو وقع رسالتها القصيرة يا ترى على قلب إبن خالتها محمود ؟ و هل أخطأت عندما أرسلت له رسالة أم ماذا ؟ و هل سيتفهم محمود مغزى الرسالة كما ينبغى ؟ أو كما تريد هى ؟ هل هناك فتاة أخرى فى قلبه ؟ و ... و ... و ....
دارت الأسئلة الكثيرة و المختلفة و أضحت تلح على نفسها إيجاد و تبرير الاجابات بمرور الأيام و توارد الليالي رغم يقينها بأن لا أجوبة و لا تطمينات لهذه التساؤلات قبل شهور و شهور إن لم تك سنوات .
آه ما أطولك أيها الليل البهيم, و ما أقسى هموم التجوال بين أنجمك البعيدة , زفرت بحزن , توسدت يمينها و وضعت كف الأخرى على خدها الأيسر تتحسس نعومتها و جمال تكويرها و رقة ملمسها , و تجتاح كيانها ثقة مفرطة بأن محمود لن يغفل عن هذه المغريات النادرة ـ قد جميل و طول فارع , و صدر نافر , و عيون كعيون المها , و مسائرها الطويلة بلون أطرافها النحاسية تكتنفان ثغرا نديا كمقعد أميرة وضعت فى أرجوحة بستان تقلبت فى مرقدها و كأنها إستبطأت قدوم المستقبل الذى تتمناه فى الحال .
زينب ! زنوبة ! يا بنية ! إنت طرشت يا بت ؟؟ زجرتها أمها بعنف بعد أن نادت عليها مرارا فأنتبهت و أيقنت لحظتها أنها سدرت فى دنيا أحلامها بعيدا بعيدا و لم تسمع نداءات أمها إلا عندما وصلت الى حد الزجر .
أيوة يمة , جاية , جاية , قفزت من مرقدها و وقفت أمام أمها و بصدرها بعض لهث ,
فى أيه يا بت ؟ مالك الليلة ؟ لا تممت على الدجاج , لا جبت قفلت السخيلات , لا قعدت فى الدوكة !! الساعة كم ؟ إنت تعبانة ؟ لو تعبانة خليك أنا بقوم أسوى الحاجات دى.
لا وحاتك يمة , خلاص , هسع كل شيء حيكون جاهز . خرجت تجر رجليها جرا و هى تحمد الله أن أسئلة أمها توقفت عند ذاك الحد ..
مع شروق شمس اليوم الثالث بدأت ملامح جبال كررى تبدو فى الأفق و من خلف السراب تتراءى حينا و تبتلعها غيوم السراب حينا آخر , عادت صورة الخطاب فى خيال محمود صفحة ناصعة فتخيل الخطاب و قرأه فى سره كلمة كلمة يتذكرها و يستهجؤها و تذكر فجأة بأن أسفل الخطاب كان به شيئا من رسم أو نحوه لم يتبين كينونتها عندما قرأ الرسالة عجلا أول مرة و تداخلت حروف الكلمات فى بعضها البعض من دهشته , فدفعه حنين دافق لمعرفة سر تلك الرسمة و إستبيان ملامحها , زحف بجسده فوق التكويشة الى خلفية اللورى حيث لا ركاب هناك بموجب الغبار الكثيف فى تلك الناحية و التى تثيرها الكفرات الخلفية , أخرج الرسالة و قرأها هذه المرة بطمأنينة أكثر و تركيز أكبر و نظر الى أسفل الرسالة الى حيث الرسمة يتمعنها فإذا هى صورة قلب يخترقه سهم بلون أحمر !
آآآه , نعم نعم , بدأ محمود يتفهم الرسالة غير مصدق , إنتفض قلبه فجأة كمن وخز على حين غرة , تلعثم ببعض كلمات : زنوبة ؟! أنا ؟؟! كيف ؟ أ يعقل هذا ؟
هذه الرسمة طبق الأصل لرسمة كانت فى أسف منديل مطرّز صنعتها زنوبة قبل عدة سنوات كعادة البنات وذلك فى مناسبة زواج أسامة إبن خالتها الأخرى لضيوف العريس من الشباب و كان المنديل من نصيب محمود بعد مساعدات من زنوبة التى أوحت إليه أن يختطف المنديل المطرز باللون البنفسج ـ اللون الوحيد الشاذ عن مجموعة الألوان الأخرى , هى التى صنعته بإحكام و دقة متناهية , جاهد محمود كثيرا لدخول معمعة خطف المناديل ليس لعلاقة عاطفية تربطه بزنوبة فى تلك الفترة و لكن فقط لأنها إبنة خالته الوحيدة التى تسكن خارج إطار الحي و خارج أسوار بيت جدهم الكبير, و أن ذاك المنديل من صنع يديها , و تنفيذا لوصيتها التى إعتبرها إستجابة يجب تنفيذها من باب قرابتهما و بإحساس النخوة ليس إلا .
كانت نفس الرسمة و بنفس الطريقة سوى أن رسمة الخطاب رسمت بقلم و رسمة المنديل بخيط مطرز بلون البنفسج و سهم نافذ بخيط أحمر ..
هنا كاد قلب محمود أن يتوقف , غمره إحساس بفرح كبير و نشوة لم يتبين ملامحها و دهشة تدفعه فى أتون الخيالات و التساؤلات التى لا حصر لها و لا عدد .
لم يعرف محمود قبل ذا معنى الحب كما ينبغى , و لم يذق طعمه كما الآن , نعم كان يعشق قفشات بنت الجيران سلمى , و يتعجب من جمال صدر نوال , و يتمنى الاقتراب من عيون زهراء ليحدق فى بياض عينيها الكبيرتين . أما أن يدق قلبه و تتحرك غرائزه كلها دفعة واحدة ليرتعش جسده و تتلاحق ذكرياته ليربط ما بين الرسالة و المنديل لزمانين و موقفين مختلفين فلم يحدث بالطبع إلا اللحظة .
لم ينتبه محمود لنفسه إلا بعد أن توسط اللورى سوق ليبيا الصاخب جدا , فهاله منظر الحشود و بقى على ظهر اللورى وحيدا بينما نزل بقية الركاب يشربون و يدخنون و يأكلون , كان مشدوها لما يحدث على الأرض حوله صور الحركة تتداخل فى بعضها كأمواج النيل إبان الفيضان فى يوم ريح ( نـّو ) . أحس بتوجس و خوف من المجهول الذى ينتظره , و عاد بخواطره الى حيث ريفه الهادىء الجميل يقارن فى خياله بين هذا و ذاك , و يمنى نفسه بعودة الى هناك , لكن هيهات أنّى له ذلك قبل سنوات و سنوات ؟!
محمد فضل محمد صالح ـ طبق غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-01-2011, 12:09 PM   #13
 
الصورة الرمزية سعيد كويا
 
تاريخ التسجيل: Oct 2008
الدولة: السعودية
المشاركات: 2,730
سعيد كويا is on a distinguished road
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمد فضل محمد صالح ـ طبق مشاهدة المشاركة
الحلقة الثالثة

مع شروق شمس اليوم الثالث بدأت ملامح جبال كررى تبدو فى الأفق و من خلف السراب تتراءى حينا و تبتلعها غيوم السراب حينا آخر , عادت صورة الخطاب فى خيال محمود صفحة ناصعة فتخيل الخطاب و قرأه فى سره كلمة كلمة يتذكرها و يستهجؤها و تذكر فجأة بأن أسفل الخطاب كان به شيئا من رسم أو نحوه لم يتبين كينونتها عندما قرأ الرسالة عجلا أول مرة و تداخلت حروف الكلمات فى بعضها البعض من دهشته , فدفعه حنين دافق لمعرفة سر تلك الرسمة و إستبيان ملامحها , زحف بجسده فوق التكويشة الى خلفية اللورى حيث لا ركاب هناك بموجب الغبار الكثيف فى تلك الناحية و التى تثيرها الكفرات الخلفية , أخرج الرسالة و قرأها هذه المرة بطمأنينة أكثر و تركيز أكبر و نظر الى أسفل الرسالة الى حيث الرسمة يتمعنها فإذا هى صورة قلب يخترقه سهم بلون أحمر !
!

ياسلااااام عليك ياطبق
كانت المناديل من اللوحات الجميله والمعبره بكل صدق عن
مايجوش بالدواخل من حب عفيف ورسمة القلب والسهم
كانت ذات مدلول واضح وصريح يفهمه القاريء دون عناء
وايضاً تلك الرسائل المطرزه الاجناب بالورود كانت تحكي
العشق الجميل وياسبحان الله عندما يملك احدهم رساله
كانما ملك مفتاح مغارة علي بابا ، الله على ذلك الزمن الجميل
سلمت اناملك الرائع طبق واصل تغريدك على اشجار الذكريات
الجميله ونحن ها هنا نستظل تحت وريف كلماتك الرائعه .

ودي وتقديري
__________________
سعيد كويا غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-01-2011, 05:30 PM   #14
 
تاريخ التسجيل: Mar 2010
المشاركات: 272
محمد فضل محمد صالح ـ طبق is on a distinguished road
افتراضي

نعم أخى سعيد , المناديل و ما أدراك ما المناديل فى الزمن الجميل البهي !
هى محاولات داخل محاولة كتابة القصة لإبراز صور قديمة إنمحت من الوجود نهائيا حاملة كل اللذة و المتعة فى زمن كان سمحا و بسيطا و لذيذا للغاية , شكرا لمرورك النبيل يا رجل ..
محمد فضل محمد صالح ـ طبق غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10-01-2011, 02:36 PM   #15
 
تاريخ التسجيل: Mar 2010
المشاركات: 272
محمد فضل محمد صالح ـ طبق is on a distinguished road
افتراضي

الحلقة الرابعة :

مرت الأيام و الشهور على سفر محمود , و بمرورها يزداد عنت أمه ضراوة , تتقلب فى فراشها الليل بطوله , و ما زاد فى قلقها أكثر هى تصرفات أعمام إبنها الذين أصبحوا يضيقون عليها الخناق من كل ناحية و صوب . يريدون الأرض , و يطمعون فى البهائم , يشعلون نار الفتنة بينها و بين المزارعين الذين تستأجرهم لفلاحة الأرض و يهتمون بعلف البهائم .
فكر بعضهم أيضا فى تزويج إخوات محمود لبعض أولاده حسدا من عند أنفسهم وكيدا لهن من دخولهن الكليات الجامعية رغما عن رفض العائلة و تصميم أخيهم محمود , كما أن حالتها الصحية ما عادت كما كانت , تكررت إصابتها بداء الملاريا الخبيثة , و أرهقتها روماتيزم المفاصل و حجّرت إحدى ركبتيها , و هى صابرة محتسبة تتمنع عليهم و تدعو الله سرا و جهرا أن يعينها فى أمرها و ألا تطول غيبة إبنها أكثر مما ينبغى .
كان الأمر العجب فى طرف القرية الأخرى لدى زنوبة , فمنذ تلك الرسالة التى بعثتها لمحمود يوم سفره , و رغم أنها كانت من بضع كلمات فقط إلا أنها رمت بها فى غيابة الحيرة و القلق و كادت تفتك بعافيتها و جنال قوامها الممشوق .
ترى هل فهم محمود غايتها عبر كلمات الرسالة ؟ و كيف لقلبها المضطرب أن يعرف شعور محمود تجاهها , و فى خضم هذه الحيرة القاتلة بدأت زنوبة تحس من قلبها بأن مجرد إعجابها بشخصية محمود و خلقه النبيل بدأت تنبت .زرعا و خضرة و ثمرا من حب عميق و غرام لاهب و نشوة لا تضاهيها نشوة تتمكن من أوصالها و دواخلها أيما تمكن و بصورة لا تحتمل الشك مطلقا , فكم هبت من نومها المتقطع فزعة مزعورة لحلم رأت فيها محمود فى وضع غير حميد إنفطر لها قلبها و طار صوابها و جافاها النوم أياما و ليالي , و بالمقابل حلمت أحيانا بأنها تسير جنبا الى جنب مع محمود يمسكان بأيدى بعضهما يتعاطيان نخب الحب بكأسات الود و الصفاء و النشوة , و فى مرة رأت أنهما يجلسان جنبا الى جنب ليلة العرس الكبير, كانت الزغاريد تصم الآفاق و إيقاع الدلوكة تصم الآذان , و شباب يتساقطون فى الدائرة من عل كصقور الجديان يلهبون ظهور بعضهم بسياط العنج , لتطير الدماء نشوة بغناء الست مستورة الطروب , و كانت تعيش مع مثل هذه الأحلام سعادة لا نظير لها ـ ساهمت فى إضافة اللمسة السحرية لغرامها المجنون و الذى كان يفيض عن دواخلها لتظهر فى بعض تصرفاتها حتى كاد ينكشف أمر هواها .
بإحساس الأمومة التى لا تخطيء و خبرتها كانت تلاحظ أم زنوبة و من طرف خفي أحوال إبنتها دون أن تنبس ببنت شفه , فهى تدرك تماما مآلات مثل هذه الأمور و فى مثل سن زنوبة و تلك التقلبات الخارجة عن الارادة , تعرف جيدا معانى أن تصبح البنت ساهية , يقل أكلها و تنعس عيونها , و تذبل البسمة فى ثغرها , و كيف أنها دائما ترمى ببصرها خلف الأفق .
هي تعرف هذه الحالات حتما , فقط ما شغل بالها كان : من هو ؟ و كيف لها أن تعرف دون أن تحس زنوبة بذلك و دون أن تسألها مباشرة ؟ أجلت السؤال أكثر من مرة و الحزن يلف قلبها و هى ترى إبنتها تعصف بها الهموم و تلتهمها نيران الحيرة , خافت من نكرانها الأمر إن سألتها و فى هذه الحالة تكون قد وضعت أمام حبها من العراقيل ما لن تستطيع إجتيازها مستقبلا , لذا آلت على نفسها السكوت حتى يجعل الله أمرا كان مفعولا .
صديقات زنوبة من بنات الحى مثلهم مثل الصبيان كن يحسبن لشخصيتها الفذة حسابا , أحسسن بهذه التغيرات فى ملامح زنوبة , و لكن من التى يمكنها التجرؤ و السؤال ؟
رقية , نعم رقية بنت التاجر عبدالحميد ـ صديقتها المقربة و التى لا تقل عن زنوبة أدبا و جمالا و هيبة , ذهبت إليها زنوبة تبارك لها الخطوبة , و جدتها رقية فرصة سانحة لن تتكرر , أخذت بيدها و هى تتمنع و دخلتا الغرفة و أقفلت رقية الباب , أجلستها على سريرها قبالة المرآة الكبيرة و وقفت من خلفها , ربتت على كتفها .
زنوبة !!
أنظرى الى نفسك فى المرآة جيدا يا صديقتى العزيزة , ماذا ترين ؟ و كيف تردين .
تتابعت دقات قلب زنوبة و أرتفعت وتيرتها , فهمت مغزى رسالة صديقتها , نظرت طويلا فى المرآة و رقية تتابعها عن كثب من خلفها , دمعتان سالتا علn خديها و إستقرتا على فخذيها فأنتفضت زنوبة , ربتت رقية على كتفها و مسحت على شعر رأسها الجميل بحنان و عاطفة , و سألتها مباشرة :
مين المحظوظ دا يا زنوبة ؟
فأنتفضت مرة أخرى , ربتت عليها ثانية و مسحت شعرها الجميل و إقتربت منه أكثر حتى تلاصقت بظهرها , ثم مدت رقبتها من الخلف و طبعت على خدها قبلة طويلة حست أثناءها بأن جسد زنوبة ترتجف كجسد حمل مذبوح ثم أردفت :
مين يا زنوبة ؟ دى أنا حبيبتك و صديقتك ؟!!؟
جاء صوتها ضعيفا و مبحـوحا و مرتجفا لا يكاد يسمع : مـ حـ مـ ود ..
دارت رقية من خلفها و أتت تقف أمامها مباشرة , أحنت ظهرها و وضعت يديها فوق ركبتي زنوبة و نظرت فى أعماق عينيها بوجه متهلل تفيض هناءا و سعادة ثم غمزت لها و أمسكت بخدها تقرصه برفق قائلة : طيب ما تقولى كدة من الصباح ؟! مالك قالبة الدنيا فوق راسك يا عروسة ؟!
حاولت رقية كثيرh أن تفض بكارة قلب زنوبة لتخرج كل مكنوناتها فى الهواء الطلق و لم تتمكن إلا مما كان يسيرا مقارنة بحجم همومها , ألحت رقية فى تساؤلاتها و أحاطت زنوبة من كل جانب حتى إنهار غرورها فبثت لها بكل أشجانها و رقية تضع بلسما لكل سؤال يحيرها . إلا سؤالا واحدا أحارهما معا : ماهو إحساس محمود تجاه زنوبة ؟ و هل هنالك أخرى فى حياته , و أهم الأسئلة : هل فهم محمود مغزى الرسالة .
حاولت رقية طمأنت صديقتها بكل الوسائل ثم قالت : و الله يا زنوبة لو محمود أصلا ما كان مفكر فيك , و بعد كدة كمان ما فهم رسالتك و إنتى بتقدمى ليهو نفسك على طبق من ذهب يبقى ما يستاهلك .
لا , لا , لا تقولين هذا , قالتها زنوبة بإنفعال بائن و نبرة لا تخلو من زجر و إنتهار تفاجأت منها رقية , و أنتصبت واقفة ثم غادرت الغرفة , معليش يا رقية , أنا آسفة , بجيك فى وكت تانى , مع السلامة و أختفت بين الجموع المحتشدة فى الحوش فى إنتظار خروج رقية لمباركتها الخطوبة , و غادرت الى منزلها و هى أكثر قلقا و همّا .
محمد فضل محمد صالح ـ طبق غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 12-01-2011, 02:45 PM   #16
 
الصورة الرمزية سعيد كويا
 
تاريخ التسجيل: Oct 2008
الدولة: السعودية
المشاركات: 2,730
سعيد كويا is on a distinguished road
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمد فضل محمد صالح ـ طبق مشاهدة المشاركة
الحلقة الرابعة :


حاولت رقية كثيرh أن تفض بكارة قلب زنوبة لتخرج كل مكنوناتها فى الهواء الطلق و لم تتمكن إلا مما كان يسيرا مقارنة بحجم همومها , ألحت رقية فى تساؤلاتها و أحاطت زنوبة من كل جانب حتى إنهار غرورها فبثت لها بكل أشجانها و رقية تضع بلسما لكل سؤال يحيرها . إلا سؤالا واحدا أحارهما معا : ماهو إحساس محمود تجاه زنوبة ؟ و هل هنالك أخرى فى حياته , و أهم الأسئلة : هل فهم محمود مغزى الرسالة .
حاولت رقية طمأنت صديقتها بكل الوسائل ثم قالت : و الله يا زنوبة لو محمود أصلا ما كان مفكر فيك , و بعد كدة كمان ما فهم رسالتك و إنتى بتقدمى ليهو نفسك على طبق من ذهب يبقى ما يستاهلك .
لا , لا , لا تقولين هذا , قالتها زنوبة بإنفعال بائن و نبرة لا تخلو من زجر و إنتهار تفاجأت منها رقية , و أنتصبت واقفة ثم غادرت الغرفة , معليش يا رقية , أنا آسفة , بجيك فى وكت تانى , مع السلامة و أختفت بين الجموع المحتشدة فى الحوش فى إنتظار خروج رقية لمباركتها الخطوبة , و غادرت الى منزلها و هى أكثر قلقا و همّا .
اسئله كثيره واجابات اكثر راودت افكاري
لكن كل محاولاتي باءت بالفشل للوصول الى
اجابه مرضيه .
الرائع طبق ننتظرك بفارغ الصبر لمعرفة باقي القصه
فلا تتأخر .

دم بصحه وعافيه
__________________
سعيد كويا غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 15-01-2011, 12:10 PM   #17
 
تاريخ التسجيل: Mar 2010
المشاركات: 272
محمد فضل محمد صالح ـ طبق is on a distinguished road
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة سعيد كويا;
الرائع طبق ننتظرك بفارغ الصبر لمعرفة باقي القصه
فلا تتأخر .

[/font
[/color][/size]
كويانتود .. بيي كومن ؟! تكون أيقي تورد تومن !! الصبر زين .. و شكرا لمرورك أيها الحبيب ...

[font="arial"]
الحلقة السابعة :

فى اليوم السابع لمغادرة محمود منطقة جبال كررى بأم درمان على ظهر نفس اللورى الذى أخذه من أمام منزله قبل سنوات أربع و أتجه به جنوبا أتى صوته اللورى متقطعا يئن أنين المكلوم من حمولته الثقيلة , نزولا بين المزارع الى حي ( تقومـّار ) مخترقا تلك الخضرة الزاهية , و الحواشات المترامية على مد البصر , و المزارعون بعراريقهم المتسخة وسراويلهم الرثة و بعض نسائهم يحيّون اللورى و ركابه من على البعد إشارة و هم لا يعلمون من عليه من الركاب , إنها عادتهم التليدة الموروثة , لقد تشرب هؤلاء القوم أصول الطيبة و تعاملوا بها إلى حد السذاجة ـ فى نظر الغير , و قد إكتسبوا هذه الطيبة و الحنية الطاغية من وحى الزرع و حب التراب و الأرض ثقافة تخصهم لوحدهم يورثونها فلذات أكبادهم كما ورثوها هم من أسلافهم , قانعون بها , سعيدون بممارسة طقوسها فيما بينهم و بين غيرهم من كافة البشر , إنهم أناس طاهرون فى كل شيء ـ لا يفهم سرهم إلا من عاشرهم عن قرب ـ و محمود يلوح لهم بكلتا يديه و الفرحة لا تسعه ـ من حيث لا تبين شخصيته , يحمدون لهم الله على سلامة الإياب , أما الشباب فأمرهم عجب فى هذا , إنهم يلحون على السائق و يستصرخونه و يستحلفونه أن يبهجهم بصوت ( كوز اللورى ) , و يرمي ( سايرين !) و أن يطربهم ببورى تلاتة ـ إنت كلك زينة ,,, و يا ناس الله ليّا الليلة , و للا للا الله حلاوة جكسا , و أشياء من هذا القبيل و السائق يلبي طلباتهم قدر ما يستطيع , و أطفال يتقافزون من داخل الزروع كالأرانب يطاردون اللورى بنشوة لا تضاهيها نشوة بغية اللحاق به و التعلق ببابه الخلفى و المساعد ينتهرهم و يخيفهم بعصا فى يده يتقافز هو الآخر فوق سطح اللورى بخفة قرود الأدغال فمرة يأتيهم من يمين و أخرى من يسار و ثالثة من خلف و لكنهم لا يكترثون له كثيرا, و لا يبالون لضربه إياهم نظير إمتاع أنفسهم بتلك الشهية المفرطة .
سرح محمود بفكره و هو يرى كل شيء أمامه كما تركه , لم يتغير شيء إطلاقا عما كان عليه من قبل , نفس الملامح و الشبه .. فقط بعض أبنية جديدة , و بعض أشجار النيم الظليلة أجتثت و تم إستبدالها بأخرى أخذت تتمدد ظلا ظليلا , و قليل من سوامق النخل التى أخذت تتمدد ظلا ظليلا , و قليل من سوامق النخل التى إنطرحت أرضا فى هوج رياح ليلة مشهورة سمع عنها و هو فى بلاد الغربة , أما فيما سوى ذلك فكل شيء فى مكانه لم يتغير و لم يتبدل .
تخطى اللورى كل الكبارى الكبيرة و كبارى البراميل فى الجداول الصغيرة و أضحى قريبا و على بعد بضع كيلومترات من منازل تقومار و غابات النخيل تبدو فى الأفق و كأنها صورة تعكسها مرآة على سطح ماء منبسط , تسارعت نغمات البورى , و من خلال سوامق النخل يتلصص محمود ببصره فتبتهج نفسه بمشاهدة بوابة منزلهم و التى تتراءى و تختفى كالبدر ليلة تمامه تغازله ركامات سحب غير كثيفة ـ بلون جيرها الأبيض وما خط عليها منذ زمان قديم و بلون ( التفتة ) الزرقاء ـ يا داخل هذا الدار صلي على النبي المختار , يحاول أن يقرأ و لكن المسافة المتبقية أكبر من رؤاه , كما و أن مسيرة اللورى غير المستقيمة تجعل البوابة تختفى بين الفينة و الأخرى وراء الأكمات و سوق النخيل الغزيرة ..
من يا ترى تلك التى تقف بجوار البوابة بثيابها المزركشة ؟ نعم .. إنها سلمى , أخته الأصغر تقف هناك أمام الدار تتابع حركة اللورى و هو يتلوى بين النخيل و أطلال الـ ( كان كوروسي ) التى هجرها أهلها من أزل بعيد ..
توجس محمود للحظة , فصوت اللورى يسمع بوضوح لسكان المنزل و المنازل المجاورة من تلك المسافة , وهو يدرى بأن أهله على علم بوصوله الخرطوم , و جدير بهم أن يتوقعوا و يترقبوا وصوله فى أية لحظة , نعم موسم الخريفو الأمطار يطيل الزمن بعض الشيء لأيام لا تزيد عن الأسبوع , كما و أن نزول اللورى الى تلك الأنحاء فى ( الجرور ) يرجّح وصول محمود المنتظر .. إذا أين أهل بيته ؟ و لم لا يتواجدون حيث سلمى تنتظر ؟ ربما نزلوا جميعا الي الجروف و الزرع ؟! ربما .. و لكن لا , ليس مقنعا أن يذهب جميعهم الى الجروف و فى مثل تلك الساعة أى قبل صلاة العصر بقليل ! ماذا هناك يا ترى ؟؟ لا تزال سلمى وحيدة هناك حتى أنها لم تتحرك من مكانها , خيالات كثيرة و إحتمالات كبرى أصبحت تطوف برأس محمود كلما إقترب اللورى من منزله و نظره مثبت فى وقفة سلمى و كأنه ينظر الى صورة مثبتتة بحائط , حتى توقف اللورى تماما فقفز محمود لتطير إليه سلمى و تلقي بنفسها فى صدره و تنفجر مجهشة ببكاء مرير بطريقة مروعة أذهلت محمود و بقية الركاب .
ظن محمود فى البداية أنها تبكي من فرح اللقاء و لكن شهيقها التى غلب على بكائها ينم عن حزن عميق مكبوت , و علة تخاف أن تفصح عنه , و كلما سألها محمود عن سر فجيعتها ليستبين شيئا إحتضنته بقوة و زادت وتيرة بكائها و كأنها تلوذ به من شر مستطير .
ـ مالك يا سلمى ؟!!
ناس أمي مشوا وين ؟؟!!
سأل محمود و هو فى غاية الدهشة !
فصرخت عاليا حتى أشفق الركاب عليها .
إخواتك وين يا سلمى ؟ فى شنو يا بت ؟!!
ثم صرخ فى وجهها صرخة كادت تخلع قلبها الصغير من بين جنبيها .
_ أسكتى !! إنت جنّيت و لا شنو ؟!!
ثم دفعها جانبا حتى كاد يلقيها على الأرض , و أندفع الى داخل الدار , الى الأسمون , ثم الى المطبخ , لا أحد مطلقا , أمي ! فتحية ! يا ناس يا هوووى !! ثم دلف الى مجلس الرجال , إنطلق من ( باب السر ) الى الجنينة , نادى على أمه و إخواته , لا أحد و لا جواب , عاد مرة أخرى الى حيث سلمى التى أسندت ظهرها الى الحائط و هى لا تزال تشهق و قد غطت وجهها بكلتا يديها و الدموع تسيل منهما على صدرها .
أمسك محمود بيديها و هز جسدها بعنف و الغضب و الدهشة يكادان يصيبان عقله و قلبه فى مقتل .
_ ناس البيت وين يا بت ؟ قالها و الشرر يتطاير من عينيه ! أخيرا أشارت بيدها ناحية الشمال و قالت : فى المستشفى !
ـ مستشفى ؟؟ !! ليه ؟؟
ـ أمي !!
ـ أمك ؟؟ مالها أمك يا بت ما تتكلمى ؟؟
ـ عيّانة يا محمود , ثم إنفجرت ثانية .
فى هذه الأثناء كان الضجر قد وصل بسائق اللورى منتهاه فأنتهر محمود قائلا :
يا زول قدامنا مشوار طويل , حاسبنا خلينا نتوكل على الله ! و ربنا يطمنك على أمك يازول , الصبر نور , هدى نفسك يا راجل !
نظر محمود الى عفشه و شنطه نظرة خاطفة و دون إكتراث , أدخل يده فى جيبه و أخرج مبلغا من المال و أعطاه للسائق , كان فى حالة يرثى لها من الدهشة و الصدمة فى آن معا , وقف ينظر الى الأفق مشدوها و قد توقف عقله عن التفكير تماما , حتى أنه لم يعزم السائق و الركاب على كوب ماء أو شاى و نحوه كعادة أهل تلك النواحي . تحرك اللورى و إبتعد عن المكان , فحدق محمود فى وجه أخته كمن يستجديها أن تفك أسر عقله و فكره , و ما لبث أن إنطلق وراء اللورى بكل قوة , تاركا عفشه و أخته حيث كانا , فلمحه السائق عبر المرآة الجانبية يلهث وراءه فقلل من سرعة العربة و لما أشار له محمود توقف , و هو يطنطن متضجرا , دى مصيبة شنو الدخلنا فيها دي يا خوانا ؟؟!!
رمى محمود نفسه فى المقعد بجانب السائق قائلا : معليش يا عمنا شوية معاك لقدام , ح أنزل منك قصاد المستشفى .
هناك يا سادتى وجد محمود الأسرة كلها تحيط بأمه و هو لا يدرى ما يجرى , لم يسلم على أحد , و دفع بالجموع التى أمامه ينتزع نفسه من بينهم إنتزاعا حتى وقف على رأس أمه المتمددة هزيلة لا تكاد ترى , ثم إنكب عليها و قد ركع بركبتيه على بلاط الأرض و أجهش ببكاء لم يألفه من قبل , و أثناء هذه الأحاسيس الوجدانية الغامرة أدرك محمود بأن أمه لا تبكي و لا تنطق بحرف و كذلك لم يحس بيديها تحيط برقبته , و لا بثغرها يلثم خده كعادتها , فكاد أن يغمى عليه من فرط الدهشة و الصدمة , و الحيرة , حيث تأكد حينها بأن أمه شبه ميتة , و أنها لا بد الى زوال في قريب عاجل فأرتفع نشيجه أكثر فأكثر بينما إنكبت إخواته و خالاته فوق كتفيه , و تعالى النواح ليندفع الممرضون و الموظفون و مرافقو المرضى لإستجلاء الأمر , كان الوضع مأساويا للغاية فوقفوا حيرى ينظرون و قد عقدت الدهشة ألسنتهم و أجرى المنظر دموعهم و قطّعت الكآبة قلوبهم , ثم تقدم جمال الدين كبير الممرضين و ربت على كتف محمود بعد إن إقتلع إخواته من على ظهره إقتلاعا و هو يردد : صلى على النبي يا محمود , صلي علي النبي يا زول .
لك الله يا محمود هذه هي هستيريا تلاقي الضدين و تلاقح النظيرين , فرحة العودة من بلاد الغربة و إصطدامها بمحنة الأسى و لوعة الحزن .
أخذه جمال من يده و خرج به إلى خارج العنبر و هو يردد : بسيطة يا راجل , ألف حمدالله على سلامتك , كويس و الله إنك جيت فى الظرف دا بالذات يا محمود يا أخويا , و أكيد دا حيساعد أمك فى العلاج كتير, يا راجل إنت لو شفتها أول يوم جابوها هنا ما كنت ح تصدق إنها ح تعيش لتاني يوم , يا راجل الأعمار بيد الله , إستغفر ربك كدة و روح سلم على الأمة المنتظراك دى و كلهم مشتاقين ليك و الله يا محمود يا راجل يا طيب , أمش يا زول , أمانة ربنا ما كريم ..
دخل محمود العنبر مرة أخرى يسلم على الجميع واحدا واحدا , و هو يرمق أمه بين الفينة و الأخرى ليجدها و قد دمعت عينها السليمة , و كأن لسان حالها يقول : ما تبكي يا محمود ! كفاية , أنا كويسة الحمد لله ( حمديبورو شكري بورو ) .. و لكن آآآه أنّي لها ذلك و هى التى لم تنبس ببنت شفة منذ ما يقارب الشهر ! تحاول أن تبتسم له فلا تستطيع لأن فمها معقوف للجنب الأيسر من أثر الشلل النصفي .
إمتلآت ساحات المستشفى بالذين أتوا يباركون لمحمود مقدمه الميمون و يباركون لأمه برجوعه سالما , و بالمرة يطمئنون على صحتها ليقارنوا حالتها بين الأمس و اليوم و قامت فتحية أخت محمود الكبرى لترسل مرسالها الى خالتها البعيدة و التى بارحت جوارهم مساء أمس الى بيتها فى أطراف القرية الأخرى , لتأتى على الفور و فى معيتها إبنتها زنوبة بالطبع !
زنوبة ! ما أروع عيناك يا هذى عندما تمتزج فى حدقتيها الفرح و الحزن ! و يا لجمال الوجه فى صورته الكامنة جمالا مصبوغا بصرامة , هنا تعجز الحروف حتما و يتبلم الفكر عن الوصف .
إنها المرة الأولى التى تتلاقى فيها عيون العذراى بعد تلك الرسالة السحرية , تلاقت العيون لقاء السائلين عن كنه شعورهما, و سر إنجذابهما, و مستقبل إحساسهما . و بقدر اللهفة لمثل هذا اللقاء كان الحرج و الخجل من الحضور , كانت عيونهما تختطف النظرة خطف الضوء لثوان كبرق الرعد ثم تذوب فى هالة الرقابة و كثرة عيون المتواجدين و إحتمالات الرقابة , و لكن هذه الخطفات رغم قلتها و سرعتها كانت كفيلة لتجعل اليقين فى قلبيهما بأنهما عاشقان حبيبان دون أن يعلنا ذلك , و دون أن يحس بذا أحد من الحضور رغم كثرة عددهم .
رغم هدوء الأحوال نسبيا إلا أن طاقم التمريض لم يفلح فى تفريق الزوار أو إخراجهم من داخل عنبر أم محمود فتركوا الوضع على عواهنه , حتى الدكتور المعالج فى مروره الروتيني لم يك أمامه إلا أن يطأ رقاب الناس حتى يصل الى سرير مريضته , حيث قام بواجبه ثم غادر و هو يوصي بعدم التزاحم و ترك المريضة لتأنس ببعض راحة مع إبنها العائد لتوه .
بدأت الوفود تتسلل رويدا رويدا و تغادر العنبر ,و فخفّت الحركة كثيرا و هدأت الضجة , و ما بين المغرب و العشاء خلى المكان لمحمود و أخته فتحية و زنوبة و أمها التى جلست بجوار أختها تداعبها ة تسقيها بعض عقار مما أوصى به الدكتور المناوب قبل قليل , بينما إنتحى الشباب الثلاثة نهاية العنبر الطويل من الجهة المقابلة لتحكي فتحية لمحمود قصة مرض أمهم , و يحكي محمود لهما معاناته منذ تركه الديار و حتى عودته فكانت فرصة مواتية لتشبع العيون من بعضها شبع النظر, لتتسارع نبضات قلبي محمود و زنوبة , بينما تصنعت فتحية عدم إحساسها بما يجرى حولها , تقوم فى كل مرة و تتركهما مع بعضهما و تذهب الى حيث أمها و خالتها تسألهما إن أرادتا شيئا أو خدمة , ثم تعود بتريث بائن .
مرت عليهما أجمل اللحظات منذ ولدا على ظهر البسيطة رغم ظروف تواجدهما فى المستشفى , ثم تكررت هذه اللقاءات بصفة يومية لترسو سفن غرامهما فى محطات اليقين بأنهما لا بد و أن يكونا لبعضهما مهما كانت الظروف , فهل تسمح لهما الظروف لينالا مرادهما ؟ سنرى !!..
فكونوا معنا ما أستطعتم ..[/
font]
محمد فضل محمد صالح ـ طبق غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 15-01-2011, 12:17 PM   #18
 
تاريخ التسجيل: Mar 2010
المشاركات: 272
محمد فضل محمد صالح ـ طبق is on a distinguished road
افتراضي

نأسف للقراء على الخلل الفني غير المقصود , حيث تم إنزال الحلقة السابعة قبل الحلقتين الخامسة و السادسة . نكرر الأسف , و إليكم فيما يلى الحلقتين السابقتين .. و دمتم ..
محمد فضل محمد صالح ـ طبق غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 15-01-2011, 12:19 PM   #19
 
تاريخ التسجيل: Mar 2010
المشاركات: 272
محمد فضل محمد صالح ـ طبق is on a distinguished road
افتراضي

الحلقة الخامسة

ما أن وطئت قدما محمود أرض بلاد المهجر حتى جفل قلبه و أبت نفسه و تشتت فكره أكثر من ذى قبل , و أصبحت كل جماليات الحياة و سعادة الأيام السالفة فى حياته , والتى عايشها هناءا و سعدا تذوب فى خدر القلق و الضجر و ضيق الصدر, لم تغره مآلات المدنية و التطور التى شاهدها فأذهلته فى البداية و ما فتيء يركم فى دواخله يأسا و قنوطا يدب فى أوصاله دبيب النمل .
بساطة الحياة فى الريف رغم الرهق المعلوم , و سعادة إنسانه رغم الشقاء و النصب المحتوم و الصدق و الأمانة و جميل المودة وحسن العشرة إفتقدها بالكلية هناك , و أكثر ما أفتقده النوم العميق المريح الذى ألفه فى ليالي الوطن فوق ( عنقريبه ) المتهالك فى ركن حوشه الوسيع .
راودته فكرة العودة فور سماعه تلك الأنباء التى وردت تباعا و لكن أنـّى له ذلك ؟! فهنا عمل يرتبط بعقد ملزم تم تجديده قبل بضعة أيام فقط بنظام و قوانين ليس له قبل بها و لا فكاك منها قبل إكمال عامين آخرين على أقل تقدير.
كل الملهيات التى أوجدها له إخوته فى سكن العزابة من تلفزيون و فيديو و كمبيوتر و ورق الكوتشينه لم تغفله لحظة عن التفكير فى الذين تركهم من ورائه لمصير مجهول , لم تلهه و لم يهدأ له بال أبدا منذ مجيئه , فكم حملته خيالات فكره بعيدا بعيدا الى هناك , الى حيث أمه و إخوته و زرعه و ضرعه و زملاء عمله و أصدقاء سمره , صور مختلفة تتراءى أمامه فيري نفسه في الخيال كمن يتجول فى بيوت الحي بيتا بيتا كل لحظة مرورا الى أطراف القرية الأخرى حيث مسكن خالته و إبنتها زنوبة .
هنا محطة يقف عندها طويلا دون وعي و إدراك , يدخل يده فى جيبه و يستخرج الرسالة التى لا تفارق جيبه و لا فؤاده مطلقا , زنوبة و بضع أحرف كلمات خطت بأناملها الرقيقة و التى أضحت تداعب أوتار فؤاده فيقرأها مرة و مرات يضع لها معان و مترادفات ليقنع نفسه بفهم الرسالة كما يجب و كما عنتها بالظبط صاحبتها إلا أن ضعف الثقة كثيرا ما كان يضع أمامه إحتمالات سالبة تقوده للقلق و عدم التأكد من أسباب دوافع الرسالة و بالأخص الجملة الأخيرة من الرسالة و التى حفظها عن ظهر قلب ( كن على يقين بأن هنا عيونا تنتظر عودتك سالما ) , كانت هذه الجملة تبحر به فى لجة الخيالات لساعات طويلة ثم تعود سفنه محملة بكل أنواع الشك واليأس و القنوط لتبعده أكثر و أكثر عن شواطيء الأمان و اليقين القاطع لتأخذه الدوامة ثانية ليبدأ من حيث إنتهى سالفا .
إحتمل محمود يا سادتى كل صنوف القهر و الإذلال مرغما , كما إحتمل رهق العمل المضنى و قد أعانه فى ذلك كثيرا بعض الشيء بنيته القوية التى إكتسبها من مهنة الزراعة و قسوتها منذ يفاعته , فالرهق الجسمانى مقدور عليه , أما رهق القلب و الفكر فذاك ما أرق مضجعه و هز كيانه , فكم دمعت عيناه فزجرها , البكاء ليس من شيم الرجال , هذه من الأمور التى سمعها و تعلمها من المرحوم والده خلال الفترة القصيرة التى رافقه فيها إبان حياته , و لما رحل عن الدنيا تأصلت تلك القيم موروثا فى نفس محمود و حرص كثيرا كي يكون عند حسن ظن والده به حتى و هو فى قبره معتبرا ذلك نوعا من البر و إحياءا لمثل و قيم إنسانية كان يعتز بها والده فى مثل هذه الأمور بإختلاف أنواعها و مسمياتها .
عجيب أمر هذه الغربة , فكلما جمع مبلغا من المال يمنى بها نفسه للسفر الى أرض الوطن تأتى ( مصيبة ) ما و تأخذ كل ما أدخره , و لكنه فى كل مرة يحمد الله و يشكر فضله , فهو يرسل لأمه و إخواته و خالاته فيبتهلون الى الله أن يزيد لمحمود من نعيمه و يهبه صحة و عافية تملأ جسده , الغلاء الذى إستحكم هناك غول يأتى على كل قرش يجمعه , و هو لا يتأخر عن طلبات أهله , يضن بها على نفسه و يرسل إليهم هانئا بما يفعل لهم و من أجلهم , أما عن نفسه فقد قتر عليها كثيرا و حرمها من نعيم الدنيا و ملذاتها, فعذابات الغربة و ويلاتها حجبت عنه الشعور بلذة المتعة فآثر بها من هم فى خاطره من أهله الذين أحبهم فأحبوه كثيرا .
فى العام الرابع على التوالي لإغترابه أتت الأنباء تترى و فى مكنونها من المآسي ما أدمت قلبه و ألهبت صدره من قبيل أن والدته أصيبت بداء السكرى و لم تلبث أن أصيبت بضغط الدم الخطير أيضا , و فوق هذا و ذاك سمع بعض همس إستخلص من مضمونها كلاما يستصحب الصدق و الهراء فى آن معا , و ربما كانت( شمارات) من أساليب دخيلة على المجتمع فى الآونة الأخيرة ـ بأن سليمان إبن شيخ القرية , و الفتى المغرور تقدم يطلب يد زنوبة من أمها !!
يا للهول, إن المصائب لا تأتى فرادى .
سليمان ؟؟!!
ذاك الصبى الفاشل, عديم الفائدة ؟!
نعم , هو ذاك الفتى الفاشل فى حياته العملية , فقد ترك له والده من الأطيان و الزروع و الأملاك ما لا يحصي و لا يعد , إضافة الى شهرته المفرطة بالوسامة, و روعة الهندام و جمال المحيا , فكم من فتيات سعين سعيا يطلبن وده , و تمنين قربه , و آثرن هواه على كثير من أقرانه , إنه جيل اليوم , تغريه المناظر و ديكور الحياة على حساب الجوهر فى الحياة , يا لهذا الزمان و قسوته على الشباب , و يا لحظهم التعيس , كم ظلم هؤلاء الذين لم يلتذوا يوما بجماليات و رونق الزمن الجميل ! نعم , إنها قسمتهم فى هذه الدنيا , و من يعلم ؟ ربما تدور الأيام فتأتى لهم خيرا أكثر و أجمل مما نالته أجيال سابقة , و هذه حكاية أخرى !
تكالبت الدنيا هكذا بخيلها و رجلها على قلب محمود المسكين فلم يعد يدرى ما يفعل , ولا كيف يتصرف , حاول أن يكتم كل هذه الأسرار و المآسي فى أعماق جوفه الملتهب فغلبته , ضاق بما يجري أكثر فأكثر حتى إختنق و كاد ينفطر صدره من هول و فظاعة ما سمع فأنهارت قواه فما عاد يحتمل . فبكى .
لأول مرة يجد محمود نفسه يبكي بكاءا مرا منذ أن نبت شارباه .
بكى بحرقة بائنة و لم يتمالك نفسه حتى إرتفع نشيجه و أرتعدت فرائصه و أحمرت عيناه , و لكن هذا البكاء الذى لم يألفه من قبل أراحه كثيرا فهدأت نفسه و عاد إليه توازنه فأتخذ على الفور قرارا لا رجعة فيه .


محمد فضل محمد صالح ـ طبق غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 15-01-2011, 12:21 PM   #20
 
تاريخ التسجيل: Mar 2010
المشاركات: 272
محمد فضل محمد صالح ـ طبق is on a distinguished road
افتراضي

الحلقة السادسة

إتخذ محمود قرارا شجاعا و صائبا ـ حسب وجهة نظره ـ و قرر العودة الى بلاده فورا مهما كلفه ذلك من عنت , و قد إقتنع تماما بأن مجرد تفكيره فى السفر و الهجرة كان خطأ فادحا إرتكبه فى حق نفسه و أهله فى غفلة من الزمن, فرتّب أمره فى بضع أيام جاهد خلالها مستميتا , و من ثم أرسل برقية عاجلة الى أهله فحواها :
( قادم إليكم فى الحال , قيامنا بالثلاثاء ... محمود ) ..


فى هذه الأثناء كانت الأمور قد إحتدمت فى الخفاء بين أم زنوبة و أعمامها الذين يضغطون عليهما للموافقة على سليمان خطيبا ( لشيء فى نفس يعقوب ) حيث وعدهم إبن الشيخ بمغريات أسالت لعاب أطماعهم ـ فيما لو تحقق حلمه بالزواج من زنوبة ـ هذا من ناحية , و ناحية اخرى كان ما كان بينها و بين أسرة شيخ القرية من شجار مبطن و سخط دائم , فما كان من أم محمود إلا أن وقفت بقوة تناصر إختها و إبنتها فى قضية الخطوبة هذه و التى أشعلت نيران حربها زنوبة بكل برود و بكلمة واحدة كعادتها لتدخل الأسرة كلها فى دوامة لا يعرف أحد مآلات منتهاها , و زادت حدة التوتر عندما علموا بإتفاق أعمام زنوبة على تلك الأعطيات المختلفة و المؤلفة من مبالغ نقدية و منافع أخرى من قبيل الشراكة فى أبقار يهبها لهم يستكثرونها ليكون لهم نصف ما يلدن ( تون تورتي ) , و هذه المناكفات أتت بالشؤم على أم محمود التى إرتفع ضغطها متزامنا مع إصابتها بمرض السكري لتقع من طولها ذات صباح مغشيا عليها فحملت على إثرها الى مستشفى القرية , ثم إنتشر الخبر إنتشار النار فى الهشيم و نادى المنادى أن أم محمود قد شل نصفها الأيمن بالكامل .
جلست زنوبة ذات مساء قريبا من خالتها و على سريرها فى المستشفى , و رحلت بخيالها الى زمان الطفولة عندما كانت تلعب مع شلة الأطفال و من ضمنهم محمود أمام منزل جدهم الكبير و داخل جنينته و بين سوامق نخيله , قبل الرحيل الى أطراف القرية الأخرى حيث إبتنى والدها منزلا لهم هناك , فأبتعدت قليلا عن مراتع صباها و ذكريات طفولتها .
قطعت أفكارها دخول الممرض و الذى أتى لعمله المسائي , و لقرب صندوق البريد من منزله يمر عليه يوميا , فيأتى ببريد المستشفى مسئولين كانوا أو مرضى , قدم الممرض بعد أن سلم عليهما مظروفا بني اللون لزنوبة , إنها برقية !!
ممن ؟
و ماذا تحوى ؟
اللهم سترك يا رب !
أشارت لها أم محمود بجفنها الأيسر أن تفض الرسالة و ترى ما فيها ..
أصيبت زنوبة برعشة خفية أخفتها بإبتسامة عريضة عندما وقعت عيناها على إسم محمود أسفل الرسالة , ثم إكتسى وجهها الناعم الجميل بفرح بائن .
إقتربت زنوبة من خالتها أكثر و قد إحمرت وجنتاها و قرأت البرقية و هى تميل عليها بنصف جسدها الأعلى تقترب من أذنها لتسمعها بوضوح , و لترى أيضا تأثيرات البرقية على وجهها الشاحب و عيناها الغائرتان فى مرقدها بسرير المرض فى المستشفى , تبسمت أم محمود بمشقة بالغة نظرا لوضع فكيها المتأثر بالشلل النصفى , و دمعت عينها اليسرى , أما اليمنى فإنها متحجرة تفتقد الإحساس بالكلية .
غطت وجه زنوبة كآبة عابرة و حزن دفين لم تلبث أن ذابت فى أتون كلمات البرقية و فحواها التى تؤكد إقتراب موعد حضور محمود ..
تسارعت دقات قلبها و غمرها شوق جارف فسرحت مع خيالاتها , كيف ستبدو فى لحظات اللقاء ؟! فزنوبة لم تقل يوما لأحد أو تشعره بأحاسيسها تجاه محمود , و لم تقل حتى لنفسها يوما أنها تحبه , و لكن أعماقها و أغوار فؤادها و معظم جوانحها كانت قد إستشعرت هذا الغرام الدافق و تلبست به ليشتد أواره يوما بعد يوم مستصحبا معه قلقا مجهولا و توجسا عميقا . كيف لها أن تعرف موقعها فى قلب فتى أحلامها محمود ؟ و ماذا يكون مصيرها لو علمت بأن محمود لم يفكر فيها يوما ؟ أو أن فتاة أخرى يختزن صورتها فى جوفه يحبها و يعشقها ؟!!
يااااااهـ , أعوذ بالله من الشيطان , همست لنفسها كمن تريد تطمينا بعكس ظنونها , و ترهات خيالاتها , و لكن لا تستطيع فكاكا من هذه الصور البغيضة , طبعت قبلة فوق جبين خالتها و خرجت تستنشق بعض نقاء خارج العنبر , و فوق سور برندة العنبر إتكأت على مرفقيها و رمت ببصرها خارج أسوار المستشفى , أناس قادمون و آخرون رائحون , بعضهم على ظهور الحمير , بينما يسير بعضهم على الأقدام , و تراءى بينهم شبح لفت نظرها بهندام مميز و ثوب لامع , تابعتهم حتى إختفوا وراء الجانب الآخر من السور ليمروا الى داخل المستشفى عبر البوابة الرئيسية , و ليس بمقدورها أن تتبين ملامحهم ثانية إلا بعد وصولهم لبرندة العنبر التى تقف هي فيها .
كان ثالث ثلاثة , إنه هو .. نعم إنه هو ...
سليمان , جاء يسلم على أم محمود كعادة أهل البلد , لم يك يتوقع أن يجد زنوبة هنا , و هى الأخرى لم تتوقع حضوره أثناء تواجدها , فزنوبة أتت لتسلم على خالته و تذهب , إلا أن البرقية التى وصلت لأم محمود بعد دقائق من مجيئها هى التى أجلت رجوعها , فمن الأصول على البنت التى تكون محور حديث عن خطبة أو زواج ألا تبارح الدار و لا يراها حتى عريسها إلا فى اليوم الموعود .
دخلت زنوبة العنبر لتودع خالتها و تبارح المكان من الباب الآخر قبل وصول أولئك الرجال , إلا أنها عدلت عن الفكرة , و إنتظرت مجيئهم فسلمت عليهم جميعا , ثم خرجت من العنبر و نادت سليمان بإسمه , كاد الأخير أن يطير من الفرح . زنوبة ؟؟!! تناديه بإسمه ؟ تريد أن تحادثه ؟؟ ربما رضيت به عريسا , ربما , و ربما ..
طار إليها سليمان , نظرت إليه فى أعماق عينيه دون أن تظهر على محياها أدنى علامات الخجل أو الوجل , ثم قالت :
سليمان أخوى , طبعا إنت ما إتوقعت الموقف دا , ولا أنا بس عايزة أقول ليك كلام ناس فاهمين , إنت زول و الله ما بتترفض من أي بنت , و ما بقدر أقول ليك إلا ربنا يسهّل ليك طريقك مع زولة غيرى ... ما بننفع لبعض يا سليمان و كلام زى دا ما أي بت بتقدر تقولو , شيلنى من راسك و ما تودّر زمنك ساكت .
لم ترجع الى العنبر ثانية لتوديع خالتها , بل إتخذت طريقها مسرعة الى خارج المستشفى تاركا سليمان فاغرا فاه لا يدرى ما يفعله و قد أظلمت الدنيا أمام ناظريه !
نعم يا سيد سليمان , هذه هي زنوبة إن لم تك تعرفها , زنوبة الجميلة الواعية الصامتة المؤدبة بشهادة كل أهل القرية , لا تخطيء فى حق أحد , و لا تسمح لأحد أيا كان أن يتدخل فى شئون حياتها , و كبرت معها هذه النزعة منذ طفولتها , و كثيرا ما تتذكر أمها فى مثل هذه المواقف كلام أبيها فى حياته : بأن هذه البنت ستكون متعبة لنا للغاية , و لكنه مات و هو راض عنها و عن تصرفاتها التى و إن كانت مخالفة لبعض العادات و التقاليد الموروثة إلا أنها لم تك تحسب فى خانة الخطأ المؤذى للغير .
أم زنوبة , يالك من إمرأة قوية صابرة , ففقدان الزوجة لزوجها لأي سبب من الأسباب ـ كالهجر , الطلاق , الموت ـ لأمر جلل و مصيبة لا تحتملها الأنثى مطلقا , و خصوصا فى مثل هذه المواقف , و مهما تكن شخصية الرجل فمجرد تواجده بين أفراد الأسره يكلؤها الأمان و الطمأنينة فى كل مناحي الحياة ثم بعد ذلك تصنف تلك الشخصية بين القوة و الضعفة فتبتنى لنفسها المرأة مكانا , فإما أن يكون لها زوج يعتمد عليه , و إما أن يكون نصف رجل فتكمل هي نصفه الآخر , و إما ألا يكون فيبرز دور المرأة لتكون الآمرة الناهية و المتصرفة فى الشئون , و رغم ذلك من الضرورى أن يكون معها رجل و إن كان كما قلنا , فهذا دافع للمرأة كي تقوى أكثر فأكثر .. فقط غياب الرجل الكلي هو ما يضع المرأة فوق صفيح ساخن كحالة أم زنوبة .
تناهت الى الأسماع بعد أيام بأن محمود قد وصل الخرطوم , و فى إنتظار سفريات اللوارى .
تلك العربات المملة و المتعبة فى مثل هذه الأيام من منتصف العام , إنه موسم الخريف و الأمطار , قضى أياما و ليالى فى إنتظار إكمال إستعدادات السفر لأصحاب اللوارى و السائقين و المساعدين الذين لديهم طقوس خاصة و إستعدادات معينة لمواجهة مثل هذه الظروف , و لا لأحد أن يستعجلهم , أو يخرجهم الى تلك الفيافى المخيفة دون قناعة كاملة منهم , و لكن محمود كان يتمنى من دواخله أن لو لم يبت و لا ليلة واحدة فى الخرطوم رغم أضوائها الملونة و مباهجها المتاحة فقلبه مشغول بأمه و إخواته و زنوبة !
محمد فضل محمد صالح ـ طبق غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 03:58 PM.


جميع المواضيع والمشاركات المطروحه تعبر عن وجهه نظر الكاتب ولا علاقه لمنتديات دنقلا بها.
تطوير وتصميم استضافة تعاون