منتديات دنقلا الاصالة والتاريخ  

العودة   منتديات دنقلا الاصالة والتاريخ > إعلامي المنتدى > مكتبة الاستاذ محمد فضل طبق

مكتبة الاستاذ محمد فضل طبق مكتبة تحوى كتابات الاستاذ محمد فضل محمد صالح طبق

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-01-2011, 11:17 AM   #1
 
تاريخ التسجيل: Mar 2010
المشاركات: 272
محمد فضل محمد صالح ـ طبق is on a distinguished road
افتراضي تجربة أولى لخيال مكذوب

نقلا عن منتديات مشو

كثيرا ما يدفعنى غرورى لمحاولة كتابة قصة قصيرة من بعض حلقات أو صفحات , أردعه كثيرا لعدم قناعتى ليس بالفكرة و لكن بالإمكانية الذهنية و الخيال المطلوب فى مثل هذه الأمور , و خصوصا و نحن ناس دناقلة , يعنى مش عرب , و الحرف العربى تعلمناه من لا شيء , سألنى يوما صديقى حكبة عبر الهاتف قبل عام من اليوم :
هو : نحن لمن دخلنا المدرسة ما كنا بنعرف عربى , مش كدة ؟
أنا : و لا زلنا يا حكبة ما بنعرف عربى !
هو : ياخى ! طيب كنا بننجح كيف فى العربى ؟
أنا : و هو إنت فاكر نفسك كنت بتنجح فى العربى ؟
فأرتفعت حرارته , ثم أقفل الهاتف فى وجهى , و منذ ذاك اليوم لم أسأله فى هذا الشأن و لم يسأل هو ...


محاولة أولى لخيال مكذوب

الحلقة الأولى


أمي !
لن أطيل الغياب, و لا داعى لكل هذه الدموع التى تذرفينها فى هذا الصباح , كل رصفائى و أقرانى هاجروا ثم عادوا و قد تحسنت أوضاعهم , فتزوجوا و نعموا بأطفال كالأزاهر , و أنا هنا كما ترين لا زلت أجاهد بين الزرع و الضرع حتى كدت أهلك , و فقدت كل أحلامى و آمالى التى إبتنيتها فى دواخلى طيلة صباى .
طرفته بعين عاتبة , ثم مرت من أمامه و فتحت شنطة ملابسه الموضوعة فوق سريره , و أنزلت يمناها فى ركنها لتضع لفافة صغيرة مكورة فى عمق الشنطة , ثم خرجت مسرعة من غرفته و قد تناهت إلى سمعها صوت بورى اللورى يزداد قربا .
هنالك فى المطبخ و أمامه فى الحوش إجتهدت النساء و الفتيات كي ينهين غسيل و كنس و تنظيف المكان للخروج و التواجد هناك قبل وصول اللورى .
كان بعض النسوة فى الخارج هناك و بأيديهن سلالهن وقفافهن يردن توديع هذا الصبي قبل أن يتجهن لمشاويرهن المختلفة , و إخواته بالداخل يجهدن أنفسهن كثيرا لإكمال زينتهن , و كأنهن يرسلن رسائل غير مكتوبة للحضور بأن أخيهم المسافر , و سندهم القوى بعد رحيل المرحوم والدهم المبكر ليس سفرا بسبب شظف العيش , بل لبعض ترفيه و تغيير لمنط الحياة كي يعود أكثر قوة و أكثر عزيمة على البقاء بجانبهم يحسن إليهم و يرعاهم , ليس لحوجة فى مال أو جاه , و أنه عائد إليهم بأقرب مما يتصورون .
إقترب اللوى و هو يزأر زئير الأسد الجائع , يشق الأرض الترابية شقا , فقد أبدع المساعد ( توقجي ) و تفنن فى تركيب ( كوز ) من نوع خاص ـ مستخدما ثلاثة أمواس حلاقة نوع أبو تمساح شبك بعضها فوق بعض فى خيط من خيوط الحريرة على غير العادة المألوفة ليصدر الكوز صوت المكينة كما موسيقى البالمبو .
ظهر عجاج اللورى من فوق الأسقف و عروش المنازل . شنفت البهم آذانها لهذا الصوت الفريد , و غادرت الطيور أسرابا , و كركرت الدواجن فى مضاجعها تستهجن هذا الصوت الذى لم تسمع مثله من قبل , فقد تم ترميم بعض الخيران و الجداول القديمة منذ بضعة أيام تيسيرا لوصول العربات الى تلك النواحى الزراعية النائية نسبيا عن الطريق العام , و هذه أولى رحلاتها إلى أغوار المزارع و النخيل.
توقف اللورى على بعد خطوات من باب الحوش الكبير, فخرجت حشود من الداخل , فيما أقبل رجال و بأيديهم المناجل و الطوارى , كل يأتى فيناديه و ينتحي به جانبا يودعه و يدعوا له و يوصيه ملحّا عليه ألا يطيل الغياب , ثم يغمس أصابع يمناه فى جيب قميصه و هو يتفادى ذلك فلا يفلح , و تتكرر المسألة . إنهم كالعادة يمنحونه بعض دراهم تتراوح قيمتها ما بين العشرة قروش , الخمسة و العشرون قرشا بورقه الأحمر القانى ( طرّادة ) من ذوى اليسار كالموظفين و جلّهم مدرسون , و كذلك بعض كبيرات السن من اللائى كان يساعدهن بطحن طحينهن أو منحهن علف بهمهن أو حتى المبيت معهن أحيانا .
تساقطت دموع النساء , و تعالت الأصوات و تداخلت ما بين كلمات الوداع و الوصية و عويل الأقرباء . إخواته قبلنه بلهفة غامرة و حزن دفين , و أمه إحتضنته طويلا طويلا , و صوت البورى يصم الآذان .
إزداد الغبار و توهجت الشمس و إرتفعت الحرارة , و إزدحم المكان .
نزل السائق غاضبا و أتجه الى محمود و أمه التى إحتضنته للمرة الثالثة أو الرابعة , فيما قفز ( توقجى ) الى مقود القيادة يفعل بالبورى الأفاعيل بين مؤيد و راقص من الشباب و متبرم ناقد من كبار السن الذين ضاقوا بالإزعاج كثيرا.
أمسك السائق بكتف محمود يستخلصه من عناق أمه منتهرا كليهما :
يا ولية قدامنا مشوار طويل خلى الولد دا يركب عشان نفارق , و عاد الى كبينته و هو يهمس : لو ما عايزنو يسافر جبتونا ليه لحد هنا جوّا ( الكوشوكّى ) دا ؟ تب !
أرعدت الماكينة مرة أخرى تئن أنين الطلق ليردف ذلك نغمة البورى و هذه المرة موسيقى أغنية : إنت كلك زينة و عايمة كالوزينة و يحفظك مولاي , فيما تقافز تلاميذ المدارس على الطريق كل يعرض أثناء مشيه و بعضهم يصفق و يتنادون .
إرتفع العجاج عاليا فيما أخذ المودعون يتراجعون عن جسد اللورى الى الوراء قليلا قليلا , و شوهد من على البعد صبى يشبع حماره ضربا رغم إنطلاقته المعقولة ناحية اللورى قادما من أطراف البلد و يشير بيده للسائق ألا يتحرك قبل وصوله حتى وقف قبالة محمود الذى لم يزل فى حضن أمه رغم تحذيرات السائق , أشار إليه الصبي أن يأتيه فأستأذن أمه التى ختمت عناقها بقبلة فى جبينه فتحرر منها بصعوبة ثم أقبل على الصبي فيما إتجهت كل العيون ناحيتهما , همس فى أذنه ثم أخرج له من جيب العراقي تحت الجلابية مظروفا سرعان ما دسه فى جيب بنطاله و ودع الصبى ثم إتجه مباشرة الى اللورى يتسلقه حتي وقف على قمة ( التكويشة ) مودعا الجميع بيده .
إرتفعت الأصوات تارة أخرى , و إرتفع هدير الماكينة , و تعالى الغبار أكثر و أكثر لدرجة أن عطس بعضهم , و تسلل اللورى من بين الضجيج غربا يتوارى حتى إبتلعته غابات النخيل , و خفت الصوت رويدا رويدا حتى لا يكاد يسمع , و صوت البورى يأتى متقطعا حسب حركة الرياح العديمة : إنت ... زينة ....... مولاى ..

ما أن إنقطع صوت البورى نهائيا إنتشرت الجموع كل الى شأنه , و بدت صور الوداع تتلاشى رويدا رويدا إلا إم محمود فكلما مرت الدقائق و الساعات تزداد حنقا و قلقا .
تناولت بعض فناجين القهوة التى وضعت مع جدار الحوش فى مسرح الحدث بعناية فائقة ثم دلفت الى الداخل و هى تستحلف من لم يتناولوا القهوة أن يدخلوا الدار و ألا يغادروا الى دون تناول قهوتها الصباحية , تسلل بعضهم و دخل البعض .
هنالك فى غرفة ( الأسمون ) كان محمود قد وضع كباية الشاى الذى إرتشفه على عجل فوق تربيزة صغيرة و قديمة تآكلت أرجلها السفلية ـ و ذلك عندما إقترب صوت عواء اللورى , ذهبت إليها و مدت يدها المرتجفة تأخذ الكباية , و فى لحظة لم تك فى الحسبان إنفلتت لتسقط على الأرض حيث تصادف وجود يد ( الهون ) النحاسى الذى أستخدم فى معينات طبخ عشاء الأمس و لم تؤخذ الى الداخل مع بقية العدة فترتطم بها.
إنفجرت الكباية إنفجارا و تناثرت قطعا فى المكان , إنفطر قلبها الواهن و كاد يزوغ من مكانه , إللللللى إلاها إلا اللهو , مهمّد يا رسور الله..
بسسسسسم الله , رمت بجسدها النحيل فوق أقرب العناقريب إليها فيما هروت إليها بناتها و بعض النسوة من هنا و هناك .
منلليه ؟ مندو جريكو ؟ و لكن خيالاتها و فكرها كانت قد لحقت باللورى و إبنها محمود , إنه لنذير شؤم لا محالة .. مرت لحظات عصيبة , دارت العيون فى محاجرها فتارة تناظر بعضها و أخرى تقع على أم محمود التى مدت يدها الى تحت المخدة و تناولت طرحتها الحمراء القديمة ( ترهة قيليي ) و أحكمت رباط رأسها و تكورت فى عنقريبها بينما تسابقت البنات فى لملمة الزجاج المتناثر .
( أرتى داجن وو برتود ... ) قالتها حجة حليمة التى كانت تتأبط قفة صغيرة و خرجت متثاقلة و هى تدعو الله أن يكتب السلامة للجميع .
الحاجة نفرين الأخت الكبرى لأم محمود ترى و تسمع ما يدور فى المكان , هى أكثر معرفة بأصول الدين من أختها , فمهنتها فى توصيل صحن العشاء اليومى عن والدها للمسجد لسنوات طويلة فى صغرها أتاح لها أن تستمع بعقلها الصغير لبعض ما كان يقوله الشيخ عبدالله فى درس ما بعد صلاة العشاء ترك فى أعماقها ذخيرة روحانية لا بأس بها, إقتربت منها أكثر و أنتهرتها أن تقوم الى شأنها و ألا تعتقد فى مثل هذه الأمور الجاهلية , و لأن أم محمود تعرف أختها و طبائعها جيدا لم تناقشها و لم تنبس ببنت شفة , فقط قامت تجر قدميها جرا الى حوش الدار فإذا بإبنة خالتها نبوية عند باب الحوش الكبيرة قادمة من القرية الأخرى , تحمل فوق رأسها شنطة صفيح ( قرنان ) سلمت على أختها بحرارة , ثم دلفت الى الداخل تحتضنهن بشوق مفعم و الشنطة القرنان فوق رأسها لا تميل و لا تحيد و كأنما صبت صبا , ثم أنزلتها بمعاونة بعضهن فلا هى أبانت ما بداخلها و لا أحد سألها عن ذلك .. و فجأة تغيرت نبرتها و إحمرت عيناها الصغيرتين و بدت بوادر الغضب تأكل بسمتها التى دخلت بها أول مرة , ثم وجهت سؤالها لأم محمود عاتبة , ناقمة عليها و على إبنها الذى زارهم هناك قبل شهر مضى و لم يذكر لهم بنيته للسفر, و أنها لم تسمع بذلك إلا مصادفة مساء الأمس و جاهدت كثيرا للحاق بزمن السفر , و لو أنها لم تنشغل بأمور الشنطة القرنان و محتوياتها لكانت فى الموعد !!
إنتابت أم محمود بعض الضجر و الحنق فى تلك الأثناء و جاهدت ألا تفتح كوة للعراك مع إختها فى يومها البائس هذا فتناوبت عنها أختهما الثالثة الحجة نفرين تهدىء من إنفعالات نبوية فى محاولات يائسة لإقناعها بأن محمود فاجأهم بالأمر و أربكهم كثيرا , إلا أن نبوية لم تكترث كثيرا بما ساقوها لها من مبررات و أحست بأن الحكاية فيها نوع من ( التقسة ) ـ بفتح جميع الحروف مع تشديد التاء ـ أى أنهم لم يضعوا لشخصيتها أية إعتبارات فى هذا الشأن .
هولّة , إمرأة فى ريعان الصبا , صامتة ممشوقة القد و القوام باسمة المحيا , تجيد التحكم فى مجريات الأمور فى مطابخ المناسبات فى كل بيوت البلد, توفى عنها زوجها قبل عامين تاركا لها إرثا لا بأس به و طفلا جميلا تجاوز الخامسة بقليل , و هى أصلا ليست من أهل البلد , زوجها الذى كان يعمل بالوابورات قدم بها من جهات بعيدة , فحوربت حربا شعواء فى بداية حياتها من نساء البلد و حتى رجاله الذين كانوا يتأففون قديما من الغريبة التى لا يعرفون عنها و عن أهلها أصلا و لا فصلا , إلا أنها إستطاعت أن تتماسك و تتحمل إهانات شتى لتصبح أخيرا و احدة من أهم الشخصيات النسوية فى البلد , و كم تمنى رجال كثيرون من دواخلهم أن يحوزوا بقلبها و يطلبوا زواجها لكنهم يهابون صفتها المرعبة ( غريبة ) و لو تجرأ أحدهم و طلبها لنفسه لما رضيت , فالذى كان بينها و بين زوجها من حب صادق نبيل يلبسها قناعا سميكا من الإباء تتجنب بها الدخول فى أى معترك من تجارب غير مأمونة العواقب فتزيل عن فكرها ذكريات أجمل أيام حياتها على الإطلاق فى ظل تواجد ذاك الرجل النبيل إبان سنينها الخمسة عشر التى قضياها فى نعمة ربما لن تتكرر ثانية , و تبدو ربكة أم محمود واضحة جلية حين فات عليها أن تبلغ و تستشير فى نفس الوقت هذه السيدة الفاضلة ذات المكانة السامية فى نفوس أهل البلد فى أمر سفر إبنها المفاجىء , و هى الأخرى وجدت لنفسها مدّخلا كي تفضفض عما يجول بخاطرها ضد أم محمود أثناء محاولاتهن من تهدئة ثورة نبوية على أختها , فأنتصبت واقفة بعد أن كانت تكنس بواقى مخلفات غسيل العدة , معليش يا نبوية أنا جارتهم دى و الله مافى حد قال لى كدة و لا كدة , سمعت من الناس و أتيت من تلقاء نفسى كواجب تقتضيه لزوم الجيرة , و لكن نقول معليش , أم محمود معذورة يا نبوية و كفاية اللى هىّ فيه , ماليش , ماليش .. نجيب ليك قهوة يا نبوية ؟
فردت نبوية : يااا حليلك يا نبوية , أنا طلعت من بيتى قبال شاى الصباح ! قوة شنو ؟ أدونى شاى كان فى و بعدين نشوف القهوة , يا حليلك يا محمود يا ولدى تسافر من غير ما تودعنى ؟ الله يوصلك بالسلامة يا روحى و يجيبك لينا سالم سليم يا رب .
تنهدت أم محمود تنهيدة خفيفة , و إغتنمت خروج أختها نفرين لبعض شأنها فتكورت فى عنقريبها مرة أخرى و أطلقت العنان لخيالاتها مع رحلة إبنها الى مجاهيل الغربة .
محمد فضل محمد صالح ـ طبق غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-01-2011, 11:32 AM   #2
:: مجلس الإدارة ::
 
الصورة الرمزية احمد بنا
 
تاريخ التسجيل: Nov 2006
المشاركات: 2,023
احمد بنا is on a distinguished road
افتراضي

الأخ الحبيب/محمد فضل طبق
حياك الله ورعاك
الف حمداً لله على سلامة العــودة
( بركة إر سنة جديدكونون تا مسلن باااجسنقي )
ياخي ما معقووول الغيبة الطويلة دي من الكادوول ( إر قووجبوون )

بداية موفقة ويلا اطلق العنان ليراعك الذهبي
ولك مودتـــي بلا حــدود
__________________
احمد بنا غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-01-2011, 07:12 PM   #3
 
الصورة الرمزية سعيد كويا
 
تاريخ التسجيل: Oct 2008
الدولة: السعودية
المشاركات: 2,730
سعيد كويا is on a distinguished road
افتراضي

الرائع طبق سلامات ونورت المنتدى


هنا تركت كل هموم الغربه التي يسعى اليها محمود جاهداً
لاستنشق ذلك العجاج الذي اثاره اللوري فهذا العجاج اطيب
من اوكسجين الغربه .

تقبل مروري المتواضع وفي انتظار باقي الحلقات

ودي وتقديري
__________________
سعيد كويا غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-01-2011, 07:29 PM   #4
 
الصورة الرمزية ملك كوش
 
تاريخ التسجيل: Jun 2009
المشاركات: 2,969
ملك كوش is on a distinguished road
افتراضي

اخونا واستاذنا محمد فضل طبق ... اهلا بعودتكم .. ياخ ده الدنيا نورت والله ...
ومعاك حق نحن لسنا عرب ولككننا حشرنا فى زمة العربان حشرا ...

اما القصة (البداية ) فهى تحفة بيانية وصيغة جمالية عالية التردد ... لمن اقرأ مثلها منذ زمن والله يا طبق ..
قصة جميلة جداً..
هادئة برغم كمّ الطنين الذي ملأ الكلمات..
جميلة وممتعة.
التفاصيل الدقيقة والحقيقية في نفس الوقت هي سر إبداع هذه القصة.
وكما قيل : ساعات الوداع والسفر نحو مجاهل الغربة يستاهل أكثر...
من أروع النصوص تلك التي تجد لدى القارئ القبول
وتوجد به تأثير يدعه
يرتشف مرارات الغربة والهجرات القسرية المذابة بسكر الحروف....
اظنني لو قرأتها مئات المرات , لما مللت من قرائتها .

سرد في غاية الروعة , وفكرة من صميم الحياة , أهنئك عليها .

أشكرك لك يا طبق ودمت طاهراً كما هوى الحروف
__________________




مَدحُ اختلافِكَ عن سواكَ فضيلةٌ
و الصمتُ عنهُ جريمةٌ نكراءُ
إنْ كانت النكِراتُ تصنعُ مجدَها
فالمجدُ يصنعُ مجدَهُ العظماءُ
ملك كوش غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-01-2011, 04:23 PM   #5
 
تاريخ التسجيل: Mar 2010
المشاركات: 272
محمد فضل محمد صالح ـ طبق is on a distinguished road
افتراضي

الأعزاء / أحمد بنا ـ سعيد كويا ـ ملك كوش

أسعدنى مروركم للغاية , و أتمنى أن تكون هذه المحاولة بقدر ما أشتهي و تشتهون , و بكم تتقدم المسيرة نحو الأفضل , دمتم ذخرا لهذا المنتدى الذى نعزه و نقدره إن لم يك لشيء فلإسمه الغالي علينا جميعا ..
محمد فضل محمد صالح ـ طبق غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-01-2011, 04:33 PM   #6
 
تاريخ التسجيل: Mar 2010
المشاركات: 272
محمد فضل محمد صالح ـ طبق is on a distinguished road
افتراضي

الحلقة الثانية :

توارت الحلال و القرى ببيوتها المتشابهة و زرائب البهم الصغيرة من جوانبها و أشجار النيم و اللبخ ـ خلف التلال الرملية الصغيرة و التى أضحت تزداد إرتفاعا و سعة كلما تقدم الركب فى عمق الصحراء الممتدة الى ما وراء البصر .
يقسو السائق البدين على ميزان السرعة للورى فيئن الأخير تحت وطأة قدمه الغليظة الثقيلة فيطوى الأرض طيا مخلفا دخانا كثيفا فى تلك الفجاج ذات الهواء النقى و البيئة الصالحة , و تصاغرت صور غابات النخيل رويدا رويدا حتى غابت تماما فى أتون الغيب , و مع إختفاء صورة آخر و أطول نخلة فى المدى زفر محمود زفرة آهة حيرى خرجت من صدره رغما عنه , فأختلس النظر خجلا يتلصص يمنة و يسرة ليتأكد ألا أحد قد إنتبه لتلك الآهة المعبرة .
تحسس جيب بنطاله برفق شديد و إطمأن الى وجود تلك الرسالة الغامضة التى دسها ذلك الصبى صاحب الحمار الأسود و الآتى من أطراف القرية المجاورة لحظة الوداع الأخير , ثم همس فى أذنه و غادر المكان مسرعا كما أتى . تزاحمت الخواطر فى رأسه , ممن هذه الرسالة ( همس إليه الصبى بأن فلانة أم فلان هى التى أعطته تلك الرسالة ) و لكن لا علاقة لمحمود بتلك المرأة لا من قريب و لا من بعيد سوى أنها إحدى جارات خالتها فى تلك النواحى من أطراف القرية المجاورة , شابة فى الأربعينات من العمر تعيش هانئة مع زوجها و أولادها التسعة , ترى ما هو الرابط بينها و بين محمود , و ما سر مكنونات الرسالة ؟؟!
بدأت سرعة اللورى فى الآنخفاض قليلا قليلا , و ظهرت فى الأفق البعيد قهوة من قهاوى تلك البرارى المقفرة و كأنها نقطة سوداء فى صفحة بيضاء و و لكن اللورى توقف قبل أن يصل الى تلك القهوة , صوت البورى شق عنان الفضاء فمال بشقه الأيسر ـ كبير المساعدية ـ و هو يمسك بيمينه صندوق ( الزوادة ) فوق تندا العربة ليدخل رأسه فى كابينة القيادة سائلا السائق :
* فى شنو يا ماعلّم ؟؟
- شوف اللستك الورا دا مالو يا زول !!
* ياتو لستك يا ماألّم ؟
- يغضب : ياخينا إنت ما تنزل و بعدين تسأل ! دا شنو دا !! شوف الكفرات كلها و تمم الموية يلا .
تمتم كبير المساعدين ساخطا و قبل أن ينزل هو كان معاونيه الإثنين قد قفزا الى الأرض كالغزلان ـ و محمود يجول بنظره فى هذه الصور و أفكاره فى ضواح أخرى , إنهما صغيرين فى السن , كان الأجدر بهما أن يكونا فى المدرسة الآن بدلا عن مزاولة هذه المهنة المتعبة التى لا تليق بسنيهما و لا بقدراتهما الجسمانية فى مثل تلك البرارى القفرة المهلكة,ما لهؤلاء الناس لا يدركون ضرورة التعليم ؟
يا ماألـّم الكفر اليمين الورا دا مهوّى شوية بس , نطلع الباجة و نتمّو . أطلع . ثم تسلق صندوق اللورى بسرعة القرد و الصغيرين يتبعانه مقلدين حركاته البهلوانية , لم يعترض السائق , إنطلق البورى ثانية معلنا التحرك , و بما أن السائق دائما هو الملك فى مثل تلك الأحوال توقف عند القهوة و لم ينزل الباجة و آثر التأكد من أحوال العربة بنفسه , فيما تقاطر الركاب على القهوة يحملون كراتينهم المليئة بالبيض المسلوق و بعض لحم تم لفه بعناية فائقة على( طرقات ) من رقاق القمح ( سينتـّى ) و طحنية و ( بنتن سوق ) القراصة أم تمر ـ المشهور فى مثل تلك السفريات منذ القدم يلتهمونها كما لو كانوا فى إفطار صيام .
فى هذه الأثناء ترك محمود هذه اللجة بكل مكوناتها و ترك كرتونة زوادته فى مكانها و أنتحى جانبا من خلف القهوة يتفحص تلك الرسالة التى شغلته طيلة تلك الرحلة , ضاربا بعرض الحائط كل تلك الخيالات التى زاحمت فكره من قبيل التفكير فى والدته و إخواته , من لهم دونه , كيف سيتعاطون مع ظروف الحياة المتقلبة و التى ما عادت كما فى السابق ؟ البهائم , جنينة النخيل و الفواكه , أعمامه الذين ناصبوه العداء و من قبله والده الذى مات و فى نفسه حسرة من مواقف إخوانه تجاهه فى مسألة الورثة , كيف لأمه المسكينة أن تواجه هذا المصير القاتم ؟ إخواته فى ريعان الصبا و لا بد من وجود شخص هميم معهن , كل هذه الأمور ذابت مؤقتا فى خضم إحتمالات تلك الرسالة الغامضة التى يتلهف لمعرفة فحواها.
تصبب محمود عرقا و هو يفتح الرسالة مرتجفا فإذا فيه ما يلى :
إبن خالتى محمود , كم كان بودى أن أراك لحظة الوداع الأخير , أتمنى لك هجرة موفقة , وصيتى لك ألا تغيب كثيرا , فأمك و إخواتك سيشتاقون إليك كثيرا ولن يحتملوا غيابك طويلا . كن على ثقة بأن عيونا هنا تنتظر عودتك مهما طالت , و قلوبا حزنى تدعو لك بسلامة العودة قريبا
المرسلة : زنوبة ...

تداخلت كلمات الرسالة فى بعضها أمام ناظريه حتى لم يكد يقرأها مرة أخرى و لا يستبين ملامح حروفها , ماذا تعنى هذه الفتاة الجميلة و التى ردت عشرات الخطاب من أطباء و مهندسين و معلمين و غيرهم من قبل ؟؟
ليتها أوضحت قليلا فى رسالتها مثل أن تحدد لنفسها الجملة بدلا عن الجمع كأن تقول : سأنتظرك , أو أريدك لنفسى , أو نحن لبعضنا .. ياااااهـ لقد أضافت هذه الرسالة عبئا جديدا فى دواخل هذا المسكين , نظرا بعيدا هناك ساهيا و صور أطفال بملابس رثة فاقت ألوانها قتامة و إتساخا لون تراب تلك الأنحاء تتراقص مع السراب يندفعون من أغوار الصحراء الى حيث موقع الركاب يسألون بعض طعام ..
شق صوت اللورى صمت الصحراء فأرتعب محمود و أصابته قشعريرة لم يحس بمثلها من قبل فطوى الرسالة سريعا و دسه فى جيب بنطاله , و إتجه ناحية اللورى ..
محمد فضل محمد صالح ـ طبق غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-01-2011, 07:33 PM   #7
 
الصورة الرمزية ملك كوش
 
تاريخ التسجيل: Jun 2009
المشاركات: 2,969
ملك كوش is on a distinguished road
افتراضي

ما أروع ما كتبت .. ليس للكلمات اي قدرة على التعبير هنا

لم اقراء شيئا بهذا الجمال والعمق

سلمت يداك وسلم فكرك ...
اللغة، الوصف، الصورة..
كل ذلك كان القاص موفقاً فيه على خلفية سرد حي في مشهد ارتحال و(لورى)..

ما أجمله من منظر يدعوك للتأمل ثم التأمل

جميل بحق يا استاذنا طبق ...

واصل ونحن متابعين بشغف وشوق
__________________




مَدحُ اختلافِكَ عن سواكَ فضيلةٌ
و الصمتُ عنهُ جريمةٌ نكراءُ
إنْ كانت النكِراتُ تصنعُ مجدَها
فالمجدُ يصنعُ مجدَهُ العظماءُ
ملك كوش غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-01-2011, 08:29 PM   #8
 
الصورة الرمزية سعيد كويا
 
تاريخ التسجيل: Oct 2008
الدولة: السعودية
المشاركات: 2,730
سعيد كويا is on a distinguished road
افتراضي

الرائع طبق

لا يسعني سوى القراءه والتامل والتصفيق بحراره
اما غير ذلك فلن اوفيك ولو اليسير مماتستحق على
هذا السرد الرائع .


مودتي بلاحدود وفي الانتظار
__________________
سعيد كويا غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-01-2011, 08:54 PM   #9
 
الصورة الرمزية سوار
 
تاريخ التسجيل: Mar 2007
المشاركات: 3,113
سوار is on a distinguished road
افتراضي

يا سلاااااااااااااااااااام كنت وين يا طبق من زماااااااان ؟!!
ياخي انت مبدع بكل ما تحمل هذه الكلمة من معاني ..
ماعندي كلام اكثر من كده ، وسمح قولك بكل عفويته وبساطته ونضارة حرفك ..
يا طبق البكان ده نحنا ما فايتنو تاني !!!


لك مودتي واحترامي واعجابي وانتظاري بلا حدود
__________________

باكرنا يا رايح تعال
يا بكرة طال الإنتظار
بالرغم من إنك محال
نحن الجبال والإحتمال
سوار غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-01-2011, 09:03 PM   #10
 
تاريخ التسجيل: Apr 2008
المشاركات: 2,638
أبو الطيب is on a distinguished road
افتراضي

أستاذي طبق بلا شك أنه الجمال الذي ..

اصطفاه لنا خيالك الخصب و قلمك الرائع .

متابعين بدقة لهذه القصة الرائعة ..

تحياتي واحترامي
__________________
أبو الطيب غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:39 PM.


جميع المواضيع والمشاركات المطروحه تعبر عن وجهه نظر الكاتب ولا علاقه لمنتديات دنقلا بها.
تطوير وتصميم استضافة تعاون